فلما أرشدنا - له المنة والحمد - بتوجيه العبادة له وبالاستعانة به عليها دلنا على ما يقع به الفلاح إن نحن خضعنا وتواضعنا وأتينا البيوت من أبوابها وعظمنا ما يرشدنا به قائلاً: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ٦} وعظنا بهذه الآية أن المكلفين بحاجة ماسة للدعاء في دينهم وفي كل أحوالهم وإلا مالت بهم السبل إلى طريق المغضوب عليهم أو الضالين ومن يجري مجراهم من المنافقين والفاسقين، وفي آخر القرآن كذلك انظر وتأمل في قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ١ مَلِكِ النَّاسِ ٢ إِلَهِ النَّاسِ ٣} أرشدنا الله سبحانه بما أرشد به نبيه صلى الله عليه وآله أن نتعوذ برب الناس، الرب: هو المربي المنعم على خلقه، وقوله: {مَلِكِ النَّاسِ ٢} هو المالك لرقابهم القابض بنواصيهم، وكل إنسان بحاجة لرفع ضرهم وشرهم، فأمرنا أن نتعوذ به ونلتجئ إليه، وأرشدنا بقوله: {إِلَهِ النَّاسِ ٣} أنه الذي تأله إليه القلوب، وأنه هو علام الغيوب، فالمتوجه بالطلب إليه حاجاته مقضية، أما الثواب وهو المطلوب فلا كلام في ذلك أنه واقع، وأما المنافع العاجلة فعلى حسب مقتضى الحكمة.
  {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ٤ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ٥ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ٦} أرشدنا ربنا له المنة أن نبالغ في الاستعاذة والاستعانة به على ذلك الشر العظيم وهو ما يقع من الشيطان الرجيم ومن أعوانه من الجن والإنس، فعلمنا وتيقنا أن لا نجاة لنا ولا ملازمة لطاعة ربنا إلا بإجبار أنفسنا على استماع