من هم الزيدية:
الزَّيْدِيَّةَ: اسْمٌ عَامٌّ لِلْمُنْتَسِبِيْنَ إِلَى الإِمَامِ الأَعْظَمِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِبْنِ القَاسِمِ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ إِسْمَاعِيْلَ بْنِ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ الْسِّبْطِ بْنِ أَمِيْرِ الْمُؤْمِنِيْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليهم السلام.وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُم، وَلَا اخْتِلَافَ عِنْدَهُم فِي نِظَامِ الْحُكْمِ، وَلَا فِي أيِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ الْدِّيْنِ.
سبب التسمية
وَإِنَّمَا سُمِّيْتِ الزَّيْدِيَّةُ زَيْدِيَّةً؛ لِمُوَافَقَتِهِم لإِمَامِ الأَئِمَّةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عليهم السلام فِي التَّوْحِيْدِ، وَالعَدْلِ، وَالإِمَامَةِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِوَالْخُرُوجِ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ، كَمَا قَالَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّفْسُ الزَّكِيَّةُ عليهم السلام: «أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ أَحْيَا زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ مَا دَثَرَ مِنْ سَنَنِ الْمُرْسَلِيْنَ، وَأَقَامَ عَمُودَ الدِّيْنِ إِذ اعْوَجَّ، وَلَنْ نَنْحُوَ إِلَّا أَثَرَهُ، وَلَنْ نَقْتَبِسَ إِلَّا مِنْ نُوْرِهِ، وَزَيْدٌ إِمَامُ الأَئِمَّةِ، وَأَوَّلُ مَنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ بَعْدَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عليهم السلام». أَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَبُو طَالِبٍ فِي (أَمَالِيْهِ) (صفحة ١٨٦).
وَمَا وَرَدَ فِيْهِ مِنَ البِشَارَاتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، وَعَنْ أَمِيْرِ الْمُؤْمِنِيْنَ، وَعَنِ الْحُسَيْنِ السِّبْطِ عليهم السلام لَا يَسَعُ الْمَقَامُ ذِكْرَهُ.
وَهْوَ مَبْسُوطٌ فِي الأَمَالِيَّاتِ، وَ (كِتَابِ الشَّافِي)، وَفِي (الْمِنْهَاجِ الْجَلِيِّ)، وَ (قَوَاعِدِ عَقَائِدِ آلِ مُحَمَّدٍ)، وَغَيْرِهَا
وَفَضَائِلُهُ كَالْشَّمْسِ وَضُحَاهَا، لَا يَمْتَرِي فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ.
وَإِنَّمَا اخْتَارَ أَهْلُ البَيْتِ وَأَتْبَاعُهُم رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ الانْتِسَابَ إِلَيْهِ؛ لِفَتْحِهِ بَابَ الْجِهَادِ فِي سَبِيْلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِحْيَاءِ دِيْنِهِ، وَتَجْدِيْدِ شَرْعِهِ.
وَقَدْ كَانَتْ اشْتَدَّتِ الفِتْنَةُ، وَعَظُمَتِ الْمِحْنَةُ، وَاسْتَحْكَمَتِ الظُّلْمَةُ، وَتَرَاكَمَتِ الغُمَّةُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّة، بَعْدَ اسْتِشْهَادِ سَيِّدِ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ سِبْطِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَرَيْحَانَتِهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عليٍّ رضي الله عنه، وَظَهَرَتِ البِدَعُ وَالْفِتَن، وَانْطَمَسَتِ الأَعَلَامُ وَالسُّنَنُ؛ فَلَمَّا أَبَانَ الْحُجَّة، وَأَوْضَحَ الْمَحَجَّةَ إِمَامُ الأَئِمَّةِ زَيْدُ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنه جَعَلُوهُ عَلَمًا بَيْنَهُم وَبَيْنَ الأُمَّةِ؛ لِيُعْلِمُوهُمْ مَا يَدْعُونَهُمْ إِلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ، كَمَا أَفَادَ ذَلِكَ كَلَامُ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ رضي الله عنه.
وكَمَا قَالَ وَالِدُهُ الكَامِلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ عليهم السلام: «الْعَلَمُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، والْعَلَمُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشِّيْعَةِ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ».
وَهَذَا كَلَامٌ حَكِيْمٌ صَحِيْحٌ، فَلَو قَالَ: العَلَمُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، أَو: اتِّباعُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لم يُمَيِّزْ؛ لأَنَّ كُلَّ مَنْ يدَّعِي الإِسْلَامَ مِنْ جَمِيْعِ الفِرَقِ يَدَّعِي ذَلِكَ.
ولَمَّا كانَ الْمُدَّعُونَ لِمُتَابَعَةِ أَمِيْرِ الْمُؤْمِنِيْنَ فِرَقًا مُتَعَدِّدَةً مَيَّزَ ذَلِكَ بِالعَلَمِ الثَّانِي؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْتَسِبْ إِلَيْهِ إِلَّا خُلَاصَةُ الصَّفْوَةِ.
وَعَلَى هَذَا وَرَدَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ فِي قَصْدِ التَّمْيِيْزِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي أَمِيْرِ الْمُؤْمِنِيْنَ: «لَا يُحِبُّهُ إلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُ إلَّا مُنَافِقٌ»، وَكَرَّرَ ذَلِكَ وَقَرَّرَهُ بِأَلْفَاظٍ كَثِيْرَةٍ، وَفِي مَقَامَاتٍ عَدِيْدَةٍ.
وَصَارَ ذَلِكَ مَعْلُومًا حَتَّى قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: كُنَّا نَعْرِفُ الْمُنَافِقِيْنَ بِبُغْضِهِمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ
وَلَوْ قَالَ: لَا يُحِبُّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُنِي إِلَّا مُنَافِقٌ لَمْ يُمَيِّزْ كُلَّ التَّمْيِيزِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَدَّعِي الإِسْلَامَ يَدَّعِي حُبَّهُ، بِخِلَافِ عَلِيٍّ عليه السلام.
وَانْظُرْ إِلَى (خَبَرِ الثَّقَلَيْنِ) الْمَرْوِيِّ فِي الصَّحِيْحِ، وَسَائرِ السُّنَنِ عَنْ بِضْعٍ وَعِشْرِيْنَ صَحَابِيًّا، وَقَدْ أَوْضَحْتُ الكَلامَ عَلَيْهِ فِي (لَوَامِعِ الأَنْوَارِ) ، وَفِي (شَرْحِ الزُّلَفِ) (صفحة-٢٢٣) (الطبعة الأولى)، وفي [ص:٣٢١] (الطبعة الثانية)، بِلَفْظِ: «كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي».
وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ، وَسُنَنِ أَبِي دَاودَ، وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَغَيْرِهِم: «أُذَكِّرُكُم اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ثَلَاثًا.
فَعَدَلَ الأَكْثَرُ عَنْ هَذَا اللَّفْظِ الصَّحِيْحِ الْمَعْلُومِ إِلَى لَفْظِ: «وَسُنَّتِي»، وَهْيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ، لَمْ تُخَرَّجْ فِي الصَّحِيْحِ، وَلَا فِي شَيءٍ مِنَ الأُمَّهَاتِ السِّتِّ إلَّا فِي (الْمُوَطَّأِ) بَلَاغًا مُرْسَلَةً
فَلَا تَرَاهُمْ يَذْكُرُونَ تِلْكَ الرِّوَايَةَ الْمَعْلُومَةَ الصَّحِيْحَةَ الْمَرْوِيَّةَ مِنَ الطُّرُقِ الكَثِيْرَةِ بِأَيِّ ذِكْرٍ لَا فِي كِتَابَةٍ، وَلَا فِي خَطَابَةٍ، وَلَا أَيِّ مَقَامٍ؛ بَلْ أَعْرَضُوا عَنْهَا صَفْحًا، وَطَوَوا دُوْنَهَا كَشْحًا، وَصَيَّرُوهَا نَسْيًا مَنْسِيًّا؛ لِأَنَّ بِذِكْرِهَا يَتَّضِحُ الأَمْرُ، وَيَنْكَشِفُ اللَّبْسُ.
وَأَمَّا (السُّنَّةُ) فَهْيَ دَعْوَى مُشْتَرَكَةٌ، لَا يَعْجَزُ عَنْهَا أَحَدٌ مِمَّنْ يَدَّعِي الإِسْلَامَ.
نَعَم، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، فَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مُؤَدَّاهُمَا وَاحِدٌ؛ فَلِذَا اكْتَفَى بِذِكْرِهِ فِي الرِّوَايَةِ الصَّحِيْحَةِ، بَلِ الْمُتَوَاتِرَةِ.
فَمَنِ اعْتَمَدَ عَلَى رِوَايَةِ «وَسُنَّتِي» لِقَصْدِ إِلغَاءِ رِوَايَةِ «وَعِتْرَتِي»، فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّةَ قَطْعًا، وَهَجَرَ مَا عُلِمَ أَنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ بِالإِجْمَاعٍ. نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الزَّيْغِ وَالْهَوَى.
ليس بين الزيدية خلاف في الأصول الدينية
هَذَا، وَلَيْسَ بَيْنَ الزَّيْدِيَّةِ كُلِّهِم قَاسِمِيَّةٍ ، وَهَادَوِيَّةٍ ، وَنَاصِرِيَّةٍ ،وَمُؤَيَّدِيَّةٍ خِلَافٌ فِي الأُصُولِ الدِّيْنِيَّةِ، الَّتِي هِيَ عُمْدَةُ الإِسْلَامِ، وَأَسَاسُ الدِّيْنِ الْحَنِيْفِ.
وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الفَرْعِيَّةُ الاِجْتِهَادِيَّةُ فَلِكُلِّ إِمَامٍ أَنْظَارُهُ وَاجْتِهَادَاتُهُ، يُوَافِقُهُ فِيْهَا مَنْ أَرَادَ مُوَافَقَتَهُ، وَكُلُّهُم نُجُومُ هُدى، وَأَعْلَامُ اقْتِدَاء.
مَنْ تَلْقَ مِنْهُمْ تَقُلْ لاقَيْتُ سَيِّدَهُمْ ... مِثْلُ النُّجُوْمِ الَّتِي يَسْرِي بِهَا السَّارِي
فَمَهْمَا كَانَ الْمُتَابِعُ مُقْتَدِيًا بِآثَارِهِم، مُهْتَدِيًا بِأَنْوَارِهِم، فَقَد اعْتَصَمَ بِالحَبْلِ الأَقْوَى، وَاسْتَمْسَكَ بِالْعرْوَةِ الوُثْقَى لآيَاتِ التَّطْهِيْرِ وَالْمَوَدَّةِ وَالوَلَايَةِ، وَخَبَرِ الثَّقَلَيْنِ الْمُجْمَعِ عَلَى صِحَتِّهِ،-وَمِنْ أَلْفَاظِهِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيْحِهِ : «أَلا وَإِنِّي تَارِكٌ فِيْكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ، فِيْهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»؛ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْل بَيْتِي، أُذَكِّرُكُم اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُم اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُم اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي» ثَلَاثًا، وَأَخْرَجَهُ سَائِرُ الْمُحَدِّثِيْنَ بِأَلْفَاظِهِ وَسِيَاقَاتِهِ-، وَأَخْبَارِ السَّفِيْنَةِ وَالنُّجُومِ، وَمَا لَا يُحَاطُ بِهِ كَثْرَةً كِتَابًا وَسُنَّةً، كَمَا قَالَ السَّيِّدُ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ الوَزِيْرُ :
وَالْقَومُ وَالقُرآنُ فَاعْرِفْ قَدْرَهُمْ ... ثَقَلانِ لِلثَّقَلَيْنِ نَصُّ مُحَمَّدِ
وَلَهُمْ فَضَائِلُ لَسْتُ أُحْصِي عَدَّهَا ... مَنْ رَامَ عَدَّ الشُّهْبِ لَمْ تَتَعَدَّد
انتساب الزيدية إلى الإمام الأعظم زيد بن علي عليهما السلام مجمع عليه
هَذَا، وَنسْبَةُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ الزَّكِيَّةِ إِلَى الإِمَامِ الأَعْظَمِ زَيْدِ بْنِ عَليٍّ رضي الله عنه مُجْمَعٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الأُمَّةِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي (شَرْحِ مُسْلِمٍ) ، وَابْنُ الأَثِيْرِ فِي (الكامل) ، وَالشّهْرِسْتَانِيُّ فِي (الْمِلَلِ والنِّحَل) ، وَصَاحِبُ (القاموس) ، وَغَيْرُهُم .قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي (الأَوَّلِ) مِنْ (مِنْهَاجِهِ) (صفحة-٢١) مَا لَفْظُهُ:
«لَفْظُ الرَّافِضَةِ إِنَّمَا ظَهَرَ لَمَّا رَفَضُوا زَيْدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ. إِلَى قَوْلِهِ: وَكَانَ مِنْ أَفَاضِلِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَعُلَمَائِهِمْ.
قَالَ: «وَسَمَّى مَنْ لَمْ يَرْفُضْهُ مِنَ الشِّيعَةِ زَيْدِيًّا؛ لانْتِسَابِهِمْ إِلَيْهِ، وَلَمَّا صُلِبَ
كَانَتِ الْعُبَّادُ تَأْتِي إِلَى خَشَبَتِهِ بِاللَّيْلِ فَيَتَعَبَّدُونَ عِنْدَهَا ... » إلى آخِرِهِ، تَأَمَّلْ هَذَا.
وَقَالَ فِي (الجزءِ الثَّانِي) (صفحة-٦٧): «وَتَولَّاهُ قَوْمٌ فَسُمُّوا زَيْدِيَّةً؛ لِانْتِسَابِهِمْ إِلَيْهِ»، ثُمَّ وَصَفَهُم بالعِلْمِ والصِّدْقِ والشَّجَاعَةِ. إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ.
قُلْتُ: وَهَذِهِ النّسْبَةُ لَيْسَتْ كَسَائِرِ النِّسَبِ الْمَذْهَبِيَّةِ، الَّتِي مَفَادُهَا التَّقْلِيْدُ وَالْمُتَابَعَةُ فِي الْمَسَائِلِ الفَرْعِيَّةِ، كَأَهْلِ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلاتِّفَاقِ فِي مَسَائِلِ الأُصُولِ، الَّتي لَا يَجُوزُ التَّقْلِيْدُ فِيْهَا، وَلَا الْخِلَافُ، كَمَا سَبَقَ.
وَمَنْ لَمْ يُحَقِّقْ هَذَا خَبَطَ خَبْطَ عَشْوَاء، كَمَا وَقَعَ مِنْ فَقِيْهِ الْخَارِقَةِ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ الإِمَامُ الْمَنْصُورُ بِاللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمْزَةَ فِي (الشَّافِي) ، وَكَمَا جَرَى مِنَ السَّيِّدِ العَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيْلَ الأَمِيْرِ (فِي إِنْكَارِهِ لِلْمُخَالَفَةِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الاِجْتِهَادِيَّةِ.
وَقَدْ أَوْضَحْتُ الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي (الْمَنْهَجِ الأَقْوَمِ).
وَمِنَ العَجَبِ وَمَا عِشْتَ أَرَاكَ الدَّهْرُ عَجَبًا مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ الأَكْوَعُ فِي مَوضوعٍ لَهُ سَمَّاهُ (اليمن الخضراء) (صفحة-١٠٣) مَا لَفْظُهُ:
«وَإِنَّمَا سُمُّوا زَيْدِيَّةً، نِسْبَةً إِلَى الإِمَامِ الأَعْظَمِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضوان الله عليهم مِنْ بَابِ (التَّغْلِيْبِ)، وَإِلَّا فَهُمْ هَادَوِيَّةٌ، أَتْبَاعُ الإِمَامِ الْهَادِي يَحْيَى بْنِ الْحُسَيْنِ الْمَشْهُورِ؛ إِذْ هُم يُخَالِفُونَ زَيْدَ- كذا في كتابه بغير ألف، وَهْوَ مُحْتَمَلٌ - قال: عَلَى طُولِ الْخَطِّ، وَإِنَّمَا يُوَافِقُونَ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ:
الأُوْلَى: فِي وُجُوبِ الْخُرُوجِ عَلَى الظَّلَمَةِ، وَمُحَارَبَتُهُم لأَجْلِ ذَلِكَ.
ثَانِيْهِمَا : القَوْلُ بِالْعَدْلِ وَالتَّوْحِيْدِ فِي أُصُولِ الدِّيْنِ.
وَثَالِثُهُمَا : فِي الإِمَامَةِ، أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا فِي البَطْنَيِنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ابْنَي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضوان الله عليهم»، إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ.
وَنَقُولُ: أَمَّا أَوَّلًا: فَهَذِهِ الثَّلَاثُ الْمَسَائِلُ الَّتِي أَرَادَ الأَكْوَعُ تَقْلِيْلَهَا -كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ عِبَارَتِهِ- هِيَ أُصُولُ الإِسْلَامِ، وَعُمْدَةُ الدِّيْنِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَسَائِلُ الفُرُوعِ، الَّتِي لَا يَجُوزُ التَّقْلِيْدُ فِيْهَا لِأَرْبَابِ الاِجْتِهَادِ، بَلْ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُجْتَهِدٍ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا يُوصِلُهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَيُؤَدِّي إِلَيْهِ نَظَرُهُ.
فَإِذًا قَدْ وَافَقُوا الإِمَامَ الأَعْظَمَ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي يَجِبُ فِيْهَا الوِفَاقُ، وَلَا يَجُوزُ فِيْهَا التَّقْلِيْدُ وَلَا الاِخْتِلَافُ.
ثانيًا: أَنَّ قولَهُ إِنَّهُم يُخَالِفُونَ زَيْدَ عَلَى طُولِ الخَطِّ، وَإِنَّمَا يُوَافِقُونَ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ في ثَلَاثِ مَسَائِلَ غَيْرُ صَحيحٍ؛ فَلَمْ يُخَالِفِ الإمَامَ الأَعْظَمَ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ رضي الله عنه جَمِيْعُ الزَّيْدِيَّةِ فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْمَسَائِلِ قَطّ، بَلْ أَجْمَعَتِ الزَّيْدِيَّةُ عَلَى مُوَافَقَتِهِ فِي كَثِيْرٍ مِنَ الْمَسَائِلِ الفَرْعِيَّةِ، مَعَ الْمَسَائِلِ الْمَعْلُومَةِ الأُصُوليَّةِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.
وَسَائِرُ الْمَسَائِلِ مِنْهَا مَا يُوَافِقُهُ عليه السلام أَكْثَرُ الأَئِمَّةِ عليهم السلام وأَتْبَاعِهِم، وَمِنْهَا مَا يُوَافِقُهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ.
وَعَلَى الجُمْلَةِ لَا تُوْجَدُ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ مَسَائِلِهِ لَمْ يَقُلْ بِهَا أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الزَّيْدِيَّةِ.
نَعَم، قَالَ الأَكْوَعُ: «وَلاَ شَكَّ أَنَّهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الأَخِيْرَةِ قَدْ تَحَجَّرُوا شَيئًا وَاسِعًا، وَلَمْ يَنْظُرُوا بِعَيْنِ الإِنْصَافِ»، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ} الآيَةَ [آل عمران:٢٦]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ}
{بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا}، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} الآيَةَ [البقره:٢٤٧]، إلى آخِرِ كَلَامِه.
وَصَدَقَ اللَّهُ العَظِيْمُ: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ٤٦} [الحج].
هَاتَانِ الآيَتَانِ حُجَّتَانِ عَلَيْهِ لَا لَهُ، فَهُمَا مِنَ الأَدِلَّةِ الْمُصَرِّحَةِ بِاخْتِصَاصِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَاصْطِفَائِهِ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يُؤتِيَهُ الْمُلْكَ، سَوَاءٌ رَضِيَ النَّاسُ أَمْ كَرِهُوا مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ، وَلَا شُورَى، وَلَا اسْتِفْتَاء، وَهْوَ الْمَعْنَى الَّذِي أَنْكَرَهُ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْحَيْرَةِ، وَعَمَى البَصِيْرَة، {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ٤٠} [النور]، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُور.
[مجمع الفوائد المشتمل على بغية الرائد وضالة الناشد، للإمام المجدد للدين مجد الدين المؤيدي سلام الله عليه
من هم العترة الذين تنتسب إليهم الزيدية؟
هم أهل الكساء وما تناسل منهم إلى يوم القيامة، فمنهم زين العابدين، وزيد بن علي، والباقر، والصادق، والقاسم بن إبراهيم، والهادي إلى الحق يحيى بن الحسين، والمنصور بالله عبدالله بن حمزة، وصولًا إلى الإمام المجدد للدين في القرن الرابع عشر مجد الدين بن محمد بن منصور المؤيدي، وتلميذه السيد العلامة الحجة الحسين بن يحيى الحوثي عليهم السلام، ويمثلهم في يومنا هذا مولانا السيد العلامة الحجة محمد بن عبدالله عوض المؤيدي (حفظه الله).سبب الانتماء إلى الإمام زيد بن علي عليهما السلام ومعناه:
لما ظهرت الضلالات، وانتشرت الظلمات، وتفرقت الأهواء، وتشتت الآراء في أيام الأموية - وإن كان قد نجمَ الخلاف في هذه الأمة من بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلَّا أنها عَظُمَت الفتن وجَلَّت المحن في هذه الدولة - وصار متلبساً بالإسلام من ليس من أهله، وادعاه من لا يحوم حوله، وقام لرحضِ الدين، وتجديد ما أتى به رسول رب العالمين الإمام زيد بن علي يقدم طائفة من أهل بيته وأوليائهم، وهي الطائفة التي وعد الله الأمة على لسان نبيها صلى الله عليه وآله وسلم أنها لن تزال على الحق ظاهرة، تقاتل عليه إلى يوم الدين، أعلن أهل البيت صلوات الله عليهم الاعتزاء إلى الإمام زيد بن علي بمعنى أنهم يدينون الله بما يدينه، من: التوحيد، والعدل، والإمامة؛ ليظهروا للعباد ما يدعونهم إليه من دين الله القويم، وصراطه المستقيم، وكان قد أقام الحجة، وأبان المحجة، بعد آبائه صلوات الله عليهم، فاختاروه عَلَماً بينهم وبين أمةَ جدهم.قال الإمام الكامل عبدالله بن الحسن بن الحسن: «(العَلَم بيننا وبين الناس علي بن أبي طالب، والعلم بيننا وبين الشيعة زيد بن علي).»
وقال ابنه الإمام محمد بن عبدالله النفس الزكية:«(أما والله لقد أحيا زيد بن علي ما دثر من سنن المرسلين، وأقام عمود الدين إذ اعوجَّ، ولن نقتبس إلا من نوره، وزيد إمام الأئمة)» ، انتهى.
فلم يزل دعاء الأئمة، ولا يزال على ذلك إن شاء الله إلى يوم القيامة.
وكان أبو حنيفة النعمان بن ثابت - المتوفى سنة مائة وخمسين - من تلامذة الإمام زيد بن علي وأتباعه.
[التحف شرح الزلف للإمام المجدد للدين مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي عليه السلام].
مذهب الزيدية ليس مستحدث
مذهب الزيدية مذهب ليس مستحدث، فمذهب زيد هو مذهب سلفه الصالح الذي أخذه عن أبيه علي بن الحسين، عن جده الحسين، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.وقد ترك لنا زيد عليه السلام ذلك المنهج المأثور عن علي، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وما تزال الزيدية إلى اليوم تستند إلى ذلك، وتعتمد عليه بعد القرآن، وتعتبره أصح الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن علي عليه السلام.
[من ثمار العلم والحكمة للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
اجتماع كبار أهل البيت عليهم السلام في القرن الثالث)
قال -أي: محمد بن منصور المرادي-: كنت في منزلي بالكوفة، سنة عشرين ومائتين كئيبًا حزينًا؛ لما فيه آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما فيه شيعتهم؛ حتى استأذن علي أبو عبدالله، أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي عليه السلام فاستقبلته، وأدخلته منزلي، ورحبت به، وسرتني سلامته من البصرة.ثم ما شعرت بشيء، وأنا في الحديث معه، والتوجع لما فيه أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى استأذن علي أبو محمد، القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل الرسي عليه السلام، فاستقبلته، وأدخلته، ورحبت به، وسررت بسلامته من الحجاز.
وجعلنا نتحدث، ونذكر ما فيه الناس من الظلم والتعدي، وما تغلب عليه الجبارون؛ حتى استأذن عبدالله بن موسى بن عبدالله بن الحسن عليه السلام، فغدوت فاستقبلته، وأدخلته الدار، وهنأت له بسلامته، وقدومه سالمًا من الشام؛ لأنه كان بجبل لكام؛ وأقبل عليه أحمد بن عيسى، والقاسم بن إبراهيم يسألانه عن حاله وأمره.
قال: ورآهم أبو محمد، الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد عليه السلام، فجاءنا ودق الباب، فقمت ففتحت له، فسلم على القوم ودعا لهم بالسلامة؛ وقال: الحمد لله، الذي جمعنا وإياكم، في دار ولي من أوليائنا.
قال محمد بن منصور: وهؤلاء الذين كانوا يشار إليهم، ويفزع السلطان منهم، وقد امتنعوا من الحضور عندهم، وفي مجالسهم، وأخذ عطاياهم.
قال محمد بن منصور: فورد علي من السرور، ما لا أحسن أن أصفه، ودهشت، وأردت أن أخرج فآخذ ما يأكلون.
فقالوا: إلى أين تمضي؟ زرناك وتتركنا وتخرج؟
فقلت: يا سادتي آخذ لكم ما يصلح من المأكول.
فقالوا: وما عندك شيء؟
قلت: بلى، ولكن استزيد.
قالوا: وما عندك؟
قلت: عندي خبز، وملح، ولبن، وتمر سابري.
قالوا: أقسمنا عليك، لا تزد على هذا شيئًا، وأغلق الباب لنأمن.
فقمت وأغلقته، واستوثقت من الباب، وقدمت إليهم طبقًا عليه خبز وملح وخل ولبن وتمر، فاجتمعوا وسموا الله -عز وجل- وجعلوا يأكلون، من غير حشمة، حتى استوفوا، وشربوا من ماء الفرات الذي كان عندي، وقاموا فتوضؤوا للصلاة، وصلوا الصلاة.
فلما انفتلوا، مدوا أرجلهم، كل واحد على سجادته، يتحدثون، ويغتمون لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما هم فيه من الجور والظلم؛ فقمت وقعدت على عتبة الصفة؛ ليراني جماعتهم وبكيت، وقلت: يا سادة، أنتم الأئمة، وأنتم أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأولاد علي وفاطمة -صلوات الله عليهم أجمعين- وأنتم المشار إليكم؛ وأنتم أهل العقد والحل، وأنتم العلماء والأئمة، من ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وولد الوصي عليه السلام، قد اجتمعتم، وجمع الله بينكم، ونحن بلا إمام، واعملوا فيما يقربكم إلى الله -عز وجل- وبايعوا واحدا منكم، أعلمكم وأقواكم، حتى يكون الرضاء منكم، ترضون به الإمام، لي ولأمثالي وللمسلمين.
فقالوا: صدقت أيها الشيخ، ما أحسن ما قلت! وإن لك ملتنا ولحمنا ودمنا، وأنت منا أهل البيت، وما نطقت به فهو الصواب، ونحن نفعله بإذن الله، إن شاء الله.
قال: فقلت: فرحوني، ولا تبرحوا، حتى تبرموا، ولا تؤخروه إلى مجلس آخر؛ فإنا لا نأمن من الحوادث.
فبرز أبو محمد، القاسم بن إبراهيم، وأقبل إلى أبي عبدالله، أحمد بن عيسى، وقال: إن شيخنا وولينا قد قال قولًا صادقًا متفقًا؛ وقد اخترتك لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنت العالم القوي، تقوى على هذا الأمر؛ فقد رضيتك، ورضي أصحابنا، فتول هذا الأمر، فمد يدك أبايعك، على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنت الرضاء لنا؛ ما تقولون يا أصحابنا؟
قالوا جميعًا: رضى رضى.
فقال أحمد بن عيسى: لا والله، وأنت يا أبا محمد حاضر؛ إذا حضرت، فلا يجب لأحد أن يتقدمك ويختار عليك، وأنت أولى بالبيعة مني.
فقال القاسم: للهم غفرا، للهم غفرا، أرضاك وأسألك أن تقوم بأمر أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتحيل علي؟
فقال: لا يكون ذلك، وأنت حاضر.
قال: ثم أقبل القاسم على عبدالله بن موسى، فقال: يا أبا محمد، قد سمعت ما جرى، وقد امتنع أبو عبدالله أن يقبل ما أشرت به، وأنت لنا رضى، وقد رضيتك لعلمك وزهدك.
فقال: يا أبا محمد، نحن لا نختار عليك أحدًا، وقد أصاب أبو عبدالله فيما قال، فأنت الرضى لنا جميعًا.
فقال القاسم: اللهم غفرا، أحلت علي أنت أيضا؟ لم تزهدون في النظر في النظر لأمة أبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وللناس عامة؟
ثم أقبل على الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد، فقال: فأنت يا أبا محمد، اقبل هذا الأمر، فإنك أهل له، وأنت قوي على النظر فيه، والبلد بلدك، وتعرف من أمر الناس ما لانعرف.
فقال: يا أبا محمد، والله، لا يتقدم بين يديك أحد إلا وهو مخطيء؛ أنت الإمام، وأنت الرضى، وقد رضيناك جميعًا.
فقال القاسم: اللهم غفرا اللهم غفرا.
قال: ثم إن أحمد بن عيسى أقبل على القوم، فقال: إن أبا محمد لنا رضى، وقد رضيت به.
قال عبدالله بن موسى والحسن بن يحيى: صدقت أيها الشيخ.
قال محمد بن منصور:
وخفت أن يفوتنا وقت صلاة العصر، ولم يبرموا، حتى انتبز أحمد بن عيسى القاسم بن إبراهيم، وأخذ يده، وقال: قد بايعتك على كتاب الله - تعالى - وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأنت الرضى.
فجعل القاسم يقول: اللهم غفرا، اللهم غفرا.
ثم بايعه عبدالله بن موسى، والحسن بن يحيى، ورضوا به، وقالوا لي: بايع.
فقمت وبايعت القاسم بن إبراهيم، على كتاب الله - تعالى - وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم قال لي القاسم: قم يا أبا عبدالله، وأذن، وقل فيه: حي على خير العمل؛ فإنه هكذا، نزل به جبريل عليه السلام على جدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
فقمت، وأذنت، وركعت، وأقمت؛ فتقدم القاسم عليه السلام فصلى بنا جماعة صلاة العصر، وباتوا عندي تلك الليلة، وصلى بنا المغرب والعشاء جماعة.
فلما أصبحوا، تفرقوا، ومضى القاسم بن إبراهيم إلى الحجاز، وأحمد بن عيسى إلى البصرة، وعبدالله بن موسى إلى الشام، ورجع الحسن بن يحيى إلى منزله، وكانوا على بيعة القاسم عليه السلام، انتهى.
ولله دره من مقام! جمع حجج الله على الأنام، من آل النبوة الأعلام، عليهم الصلاة والسلام.
[لوامع الأنوار في جوامع العلوم والآثار للإمام المجدد للدين مجدالدين بن محمد المؤيدي، ٧/٢]
الفرق بين نسبة الزيدية ونسبة بقية المذاهب)
أهل هذه المذاهب ألزموا أتباعهم بالأخذ بها، وحرموا الاجتهاد على المجتهدين وألزموهم تقليدها، في حين أنا نحن الزيدية لا نلزم ولا نحتم على المقلد الأخذ بالمذهب بل نجيز له أن يأخذ بمذهب من شاء من مجتهدي الزيدية، ونقول له: إن تقليد الحي أولى من تقليد الميت، ونحرم على المجتهد التقليد، ونوجب عليه الأخذ بمذهب نفسه.[من ثمار العلم والحكمة للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
من هو الإمام زيد التي تنتسب إليه الزيدية
من هو الإمام زيد:
هو: زيد بن علي سيد العابدين بن الحسين الشهيد سيد شباب أهل الجنة بن سيد العرب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم، ودون نسبه فلق الصباح الأنور، بل شعاع الشمس والقمر، آباؤه سادة كلهم بنص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.أما أبوه: علي بن الحسين رضي الله عنه، فروينا فيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:« ((إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ليقم سيد العابدين، فيقوم علي بن الحسين))».
وأما جده: الحسين فهو سيد شباب أهل الجنة، كما ورد به الأثر عن سيد البشر صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما علي بن أبي طالب عليه السلام، فهو سيد العرب، لما روينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلا قال له: يا سيد العرب، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «((أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب))».
وهذا هو النسب العالي، والجوهر الفائق الغالي، ولبعضهم:
آمل أن يعطيني ربّي أقصـى أملي
بحب زيد بن عليّ بن الحسين بن علي
وأمه: أم ولد اسمها: (جيدا)، شراها المختار بن أبي عبيد بثلاثين ألف درهم، فقال: ما أرى أحدا أحق بك من علي بن الحسين رضي الله عنه، فبعث بها إليه، فلما وصلت إليه عرضها على بعض ولده، وكان إذا ترعرع أحد منهم شرى لهم الجواري، فلما أحسّت بذلك قالت: أريد الشيخ، فاستخلصها عليه السلام لنفسه. وفي الرواية عنه عليه السلام أنه أصبح ذات يوم فقال لأصحابه: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ليلتي هذه فأخذ بيدي فأدخلني الجنة فزوجني حوراء فواقعتها فعلقت، فصاح بي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا علي؛ سمّ المولود منها زيدا، فما قمنا حتى أرسل المختار بأم زيد شراؤها ثلاثون ألفا.
وروي أن علي بن الحسين رضي الله عنه كان إذا صلى الفجر لم يتكلم حتى تطلع الشمس، فجاءوه يوم ولد زيد، فبشّر به بعد صلاة الفجر، قال: فالتفت إلى أصحابه، فقال: أي شيء ترون أن أسمي هذا المولود؟ قال: فقال كل منهم: سمّه كذا، سمه كذا، فقال: يا غلام؛ عليَّ بالمصحف، قال: فجاءوا بالمصحف فوضعه في حجره، ثم فتحه فنظر إلى أول حرف في الورقة، فإذا فيه: {﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ }[النساء:95]، ثم أطبقه، ثم فتحه ثانية فنظر في أول الورقة:{ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾} [التوبة: ١١١]، قال: هو والله زيد فسمّي: زيدا. . . وكانت ولادته عليه السلام سنة خمس وسبعين.
صفته عليه السلام:
قال السيد أبو طالب: كان عليه السلام أبيض اللون، أعين، مقرون الحاجبين، تام الخلق، طويل القامة، كثّ اللحية، عريض الصدر، أقنى الأنف، أسود الرأس واللحية، إلّا أن الشيب خالطه في عارضيه.وكان يشبّه بأمير المؤمنين عليه السلام في الفصاحة والبلاغة والبراعة، ويعرف في المدينة بحليف القرآن. قال خالد بن صفوان: انتهت الفصاحة والخطابة والزهادة والعبادة من بني هاشم إلى زيد بن علي رضي الله عنه، لقد شهدته عند هشام بن عبد الملك وهو يخاطبه، وقد تضايق به مجلسه.
وروينا عن بعض أصحاب زيد بن علي قال: كنت إذا رأيت زيد بن علي رأيت أسارير النور في وجهه. ووصفه بعضهم فقال: كان وسيمًا جميلًا أديبًا، وكان قد أثّر السجود في جبينه.
ذكر طرف من مناقبه وأحواله عليه السلام:
نشأ عليه السلام على العلم والعبادة والفضل والزهادة، وكان يعرف بالمدينة بحليف القرآن، وكان يسمع الشيء من ذكر الله فيغشى عليه.وقد وردت فيه آثار كثيرة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فمن ذلك ما رويناه بالإسناد الموثوق به إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- قال: لما أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتل الحسين بن علي وصلب ابنه زيد بن علي عليهما السلام، قلت: يا رسول الله؛ أترضى أن يقتل ولدك؟ قال: «((يا علي؛ أرضى بحكم الله فيّ وفي ولدي، ولي دعوتان: أما دعوة فاليوم، وأما الثانية فإذا عرضوا على الله عز وجل وعرضت عليّ أعمالهم، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: يا علي؛ أمِّن على دعائي: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، وسلط بعضهم على بعض، وامنعهم الشرب من حوضي ومرافقتي، قال: فأتاني جبريل عليه السلام وأنا أدعو عليهم وأنت تؤمّن، فقال: «قد أجيبت دعوتكما»))».
وبالإسناد إلى يحيى بن ميمون يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:«((يصلب رجل من أهل بيتي بالكوفة عريان، لا ينظر أحد إلى عورته متعمدا إلا أعماه الله عز وجل يوم القيامة))» .
وبالإسناد إلى أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يبكي فبكيت لبكائه، فقلت: فداك أبي وأمي قد قطعت أنياط قلبي ببكائك، قال:«((لا قطع الله أنياط قلبك، يا أبا ذر؛ إن ابني الحسين يولد له ابن يسمى عليّا، أخبرني حبيبي جبريل عليه السلام أنه يعرف في السماء بأنه سيد العابدين، وأنه يولد له ابن يقال له: زيد، وأن شيعة زيد هم فرسان الله في الأرض، وأن فرسان الله في السماء هم الملائكة، وأن الخلق يوم القيامة يحاسبون، وأن شيعة زيد في أرض بيضاء كالفضة أو كلون الفضة يأكلون ويشربون ويتمتعون، ويقول بعضهم لبعض: امضوا إلى مولاكم أمير المؤمنين حتى ننظر إليه كيف يسقي شيعته، قال: فيركبون على نجائب من الياقوت والزبرجد مكللة بالجوهر، أزمتها اللؤلؤ الرطب، رحالها من السندس والإستبرق، قال: فبينما هم يركبون؛ إذ يقول بعضهم لبعض: والله إنا لنرى أقوامًا ما كانوا معنا في المعركة، قال: فيسمع زيد عليه السلام فيقول: والله لقد شارككم هؤلاء في ما كنتم من الدنيا، كما شارك أقوام أتوا من بعد وقعة صفين، وإنهم لإخوانكم اليوم وشركاؤكم))» .
وروينا بالإسناد الموثوق به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:«((خير الأولين والآخرين المقتول في الله، المصلوب في أمتي، المظلوم من أهل بيتي سمي هذا، ثم ضم زيد بن حارثة إليه، ثم قال: يا زيد؛ لقد زادك اسمك عندي حبًّا، سمي الحبيب من أهل بيتي))» .
قال وروينا عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:«((يقتل رجل من ولدي يدعى: زيد بموضع يعرف بالكناسة، يدعو إلى الحق يتبعه كل مؤمن))» .
وروينا عن حيّة العرني قال: كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام أنا والأصبغ بن نباتة في الكناسة في موضع الجزارين والمسجد والحناطين، وهي يومئذ صحراء فما زال يلتفت إلى ذلك الموضع، ويبكي بكاءً شديدًا، ويقول: بأبي وأمي، فقال الأصبغ: يا أمير المؤمنين؛ لقد بكيت والتفتّ حتى بكت قلوبنا وأعيننا، والتفتّ فلم أر أحدا، قال حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:«((أنه يولد لي مولود، ما ولد أبوه بعد يلقى الله غضبانًا وراضيًا له على الحق حقًا على دين جبريل وميكائيل ومحمد صلى الله عليهم، وأنه يمثل به في هذا الموضع مثالًا ما مثل بأحد قبله، ولا يمثّل بأحد بعده صلوات الله على روحه، وعلى الأرواح التي تتوفى معه)).»
وروينا عن ابن عباس قال: بينما علي عليه السلام بين أصحابه؛ إذ بكى بكاء شديدا حتى لثقت لحيته، فقال له الحسن عليه السلام: يا أبت؛ ما لك تبكي؟
قال: يا بني؛ لأمور خفيت عنك، أنبأني بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: وما أنبأك به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: يا بني؛ لولا أنك سألتني ما أخبرتك، لئلا تحزن ويطول همّك، أنبأني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكر حديثًا طويلًا قال فيه: «((يا علي؛ كيف أنت إذا وليها الأحول الذميم، الكافر اللئيم، فيخرج عليه خير أهل الأرض من طولها والعرض، قلت: يا رسول الله من هو؟ قال: يا علي؛ رجل أيده الله بالإيمان، وألبسه الله قميص البر والإحسان، فيخرج في عصابة يدعون إلى الرحمن، أعوانه من خير أعوان، فيقتله الأحول ذو الشنآن، ثم يصلبه على جذع رمان، ثم يحرقه بالنيران، ثم يضربه بالعسبان حتى يكون رمادًا كرماد النيران، ثم تصير إلى الله عز وجل روحه وأرواح شيعته إلى الجنان))»
وروينا بالإسناد إلى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن الحسين بن علي عليهما السلام: أن عليًا أمير المؤمنين صلوات الله عليه خطب خطبة على منبر الكوفة، فذكر أشياء وفتنا حتى ذكر أنه قال: «(ثم يملك هشام تسعة عشر سنة، وتواريه أرض رصافة رصفت عليه النار، ما لي ولهشام، جبار عنيد، قاتل ولدي الطيّب المطيّب، لا تأخذه رأفة ولا رحمة، يصلب ولدي بالكناسة من الكوفة، زيد في الذروة الكبرى من الدرجات العلى، فإن يقتل زيد فعلى سنة أبيه.
ثم الوليد فرعون خبيث شقي غير سعيد، يا له من مخلوع قتيل، فاسقها وليد، وكافرها يزيد، وطاغوتها أزيرق، متقدمها ابن آكلة الأكباد، ذره يأكل ويتمتع ويلهه الأمل، فسوف يعلم غدا من الكذاب الأشر)».
وروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال:«(يخرج مني بظهر الكوفة رجل يقال له: زيد في أبهة سلطان، والأبهة: الملك، لم يسبقه الأولون، ولا يدركه الآخرون إلا من عمل بمثل ما عمله، يخرج يوم القيامة هو وأصحابه معهم الطوامير، ثم يخطوا أعناق الخلائق قال: فتلقاهم الملائكة فيقولون: هؤلاء خلف الخلف، ودعاة الحق، ويستقبلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: قد عملتم بما أمرتم، ادخلوا الجنة بغير حساب).»
وروينا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: «(الشهيد من ذريتي والقائم بالحق من ولدي المصلوب بكناسة كوفان، إمام المجاهدين، وقائد الغر المحجلين، يأتي يوم القيامة هو وأصحابه تتلقاهم الملائكة المقربون، ينادونهم: ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون)».
وروينا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «((أريت في منامي رجلًا من أهل بيتي دعا إلى الله وعمل صالحًا، غيّر المنكر وأنكر الجور، فقُتل فعلى قاتله لعنة الله))»، وفي خبر آخر: «((فعلى صالبه لعنة الله))».
وروينا عن أبي غسان الأزدي قال: قدم علينا زيد بن علي إلى الشام أيام هشام بن عبدالملك، فما رأيت رجلًا كان أعلم بكتاب الله منه، ولقد حبسه هشام خمسة أشهر يقص علينا ونحن معه في الحبس بتفسير الحمد وسورة البقرة يهذ ذلك هذَّا، وذكر الكتاب قال فيه: واعلموا رحمكم الله أن القرآن والعمل به يهدي للتي هي أقوم؛ لأن الله شرفه وكرمه ورفعه وعظمه وسمّاه: روحًا، ورحمة، وهدى، وشفاء، ونورًا، وقطع منه بمعجز التأليف أطماع الكائدين، وأبانه بعجيب النظم عن حيل المتكلفين، وجعله متلوًا لا يمل، ومسموعًا لا تمجه الأذان، وغضًا لا يخلق عن كثرة الرد، وعجيبًا لا تنقضي عجائبه، ومفيدًا لا تنفد فوائده، والقرآن على أربعة أوجه: حلال وحرام لا يسع الناس جهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وعربية يعرفها العرب، وتأويل لا يعلمه إلا الله، وهو ما يكون مما لم يكن.
واعلموا رحمكم الله أن للقرآن: ظهرًا، وبطنًا، وحدًا، ومطلعًا، فظهره: تنزيله، وبطنه: تأويله، وحده: فرائضه وأحكامه، ومطلعه: ثوابه وعقابه.
وروينا بالإسناد الموثوق به أيضا أن زيد بن علي عليهما السلام سأل محمد ابن علي الباقر رضي الله عنه كتابًا كان لأبيه قال: فقال له محمد بن علي: نعم، ثم نسي فلم يبعث به إليه فمكث سنة ثم ذكر، فلقي زيدًا فقال: أي أخي؛ ألم تسأل كتاب أبيك؟ قال: بلى، قال: والله ما منعني أن أبعث به إلا النسيان. قال: فقال له زيد: قد استغنيت عنه، قال: تستغني عن كتاب أبيك؟ قال: نعم، استغنيت عنه بكتاب الله، قال: فأسألك عمّا فيه؟ قال له زيد: نعم، قال: فبعث محمد إلى الكتاب ثم أقبل يسأله عن حرف حرف، وأقبل زيد يجيبه حتى فرغ من آخر الكتاب، فقال له محمد: والله ما حرمت منه حرفًا واحدًا.
وروينا عن بشر بن عبدالله قال: صحبت علي بن الحسين، وأبا جعفر، وزيد بن علي، وعبدالله بن الحسن، وجعفر بن محمد، فما رأيت منهم أحدًا كان أحضر جوابًا من زيد بن علي عليهما السلام.
وروينا عن سعيد بن خثيم قال: كان زيد بن علي عليهما السلام إذا كلَّمه الرجل أو ناظره، لم يعجله عن كلامه حتى يأتي على آخره، ثم يرجع عليه فيجيبه عن كلمة كلمة حتى يستوفي عليه الحجة.
وروينا عن أبي السدير قال: دخلنا على أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه فأصبنا منه خلوة، فقلنا اليوم نسأله عن حوائجنا كما نريد، فبينا نحن كذلك؛ إذ دخل زيد بن علي عليهما السلام، وقد لثقت عليه ثيابه، فقال له أبو جعفر بنفسي أنت، ادخل فأفض عليك من الماء ثم اخرج إلينا، قال: فخرج إلينا متفضلًا، فأقبل أبو جعفر يسأله، وأقبل زيد يخبره بما يحتج عليه والذي يحتج به، قال: فنظروا إلى وجه أبي جعفر يتهلل، قال: ثم التفت إلينا أبو جعفر فقال: يا أبا السدير؛ هذا والله سيد بني هاشم، إن دعاكم فأجيبوه، وإن استنصركم فانصروه.
وبالإسناد الموثوق به إلى أبي الجارود أن زيد بن علي عليهما السلام خطب أصحابه حين ظهر فقال: الحمد لله الذي منّ علينا بالبصيرة، وجعل لنا قلوبًا عاقلة، وأسماعًا واعية، وقد أفلح من جعل الخير شعاره، والحق دثاره، وصلى الله على خير خلقه الذي جاء بالصدق من عند ربه وصدق به، الصادق محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى الطاهرين من عترته وأسرته، والمنتجبين من أهل بيته وأهل ولايته.
أيها الناس؛ العجل العجل قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل، فوراءكم طالب لا يفوته هارب، إلا هارب هرب منه إليه، ففروا إلى الله بطاعته، واستجيروا بثوابه من عقابه، فقد أسمعكم وبصّركم، ودعاكم إليه وأنذركم، وأنتم اليوم حجة على من بعدكم، إن الله تعالى يقول:{﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ } [التوبة:122]، {﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾} [الأنفال:21]، {﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾} [آل عمران:105].
عباد الله؛ إنّا ندعوكم إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله، إن الله دمر قومًا اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله.
عباد الله؛ كأنَّ الدنيا إذا انقطعت وتقضّت لم تكن، وكأنّ ما هو كائن قد نزل، وكأنّ ما هو زائل عنّا قد رحل، فسارعوا في الخير، واكتسبوا المعروف تكونوا من الله بسبيل، فإنه من سارع في الشر، واكتسب المنكر ليس من الله في شيء، أنا اليوم أتكلّم وتسمعون، ولا تبصرون، وغدًا بين أظهركم هامة فتندمون، ولكن الله ينصرني إذا ردَّني إليه، وهو الحاكم بيننا وبين قومنا بالحق، فمن سمع دعوتنا هذه الجامعة غير المفرقة، العادلة غير الجائرة، فأجاب دعوتنا، وأناب إلى سبيلنا، وجاهد بنفسه نفسه، ومن يليه من أهل الباطل ودعائم النفاق، فله ما لنا وعليه ما علينا، ومن ردَّ علينا دعوتنا وأبى إجابتنا، واختار الدنيا الزائلة الآفلة على الآخرة الباقية، فالله من أولئك بريء، وهو يحكم بيننا وبينهم.
إذا لقيتم القوم فادعوهم إلى أمركم، فلئن يستجيب لكم رجل واحد خير لكم مما طلعت عليه الشمس من ذهب وفضة، وعليكم بسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالبصرة والشام: لا تتبعوا مدبرا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تفتحوا بابًا مغلقًا، والله على ما أقول وكيل.
عباد الله؛ لا تقاتلوا عدوكم على الشك فتضلوا عن سبيل الله، ولكن البصيرة ثم القتال، فإن الله يجازي عن اليقين أفضل جزاء يجزي به على حق. إنه من قتل نفسًا يشك في ضلالتها كمن قتل نفسًا بغير حق.
عباد الله؛ البصيرة البصيرة.
قال أبو الجارود فقلت له: يا ابن رسول الله؛ يبذل الرجل نفسه على غير بصيرة؟ قال: نعم، إن أكثر من ترى عشقت نفوسهم الدنيا، فالطمع أرداهم إلا القليل الذين لا تخطر على قلوبهم الدنيا، ولا لها يسعون، فأولئك مني وأنا منهم.
وروينا بالإسناد عن عمر بن صالح العجلي قال: سمعت زيد بن علي عليهما السلام يقول في خطبته: الحمد لله مذعنًا له بالاستكانة، مقرًّا له بالوحدانية، وأتوكل عليه توكّل من لجأ إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده المصطفى، ورسوله المرتضى، الأمين على وحيه، المأمون على خلقه، المؤدي إليهم ما استرعاه من حقه حتى قبضه إليه صلى الله عليه وآله وسلم.
أيها الناس؛ أوصيكم بتقوى الله، فإن الموصي بتقوى الله لم يدَّخر نصيحة، ولم يقصر عن إبلاغ عظمة، فاتقوا الله في الأمر الذي لا يصل إلى الله تعالى إن أطعتموه، ولا ينتقص من ملكه شيئًا إن عصيتموه، ولا تستعينوا بنعمته على معصيته، وأجملوا في طلب مباغي أموركم، وتفكروا وانظروا.
وروينا عن جعفر بن محمد رضي الله عنه قال: كان لعمي زيد بن علي عليهما السلام ابن فتوفي، فكتب إليه بعض إخوانه يعزيه، فلما قرأ الكتاب قلبه وكتب على ظهره، أما بعد: فإنا أموات، أبناء أموات، آباء أموات، فيا عجبًا من ميّت يعزي ميتًا عن ميت، والسلام.
وبالإسناد الموثوق به عن بعضهم قال: أخبرني أبو خالد الواسطي، وأبو حمزة الثمالي قالا: حبَّرنا رسالة ردًّا على الناس، ثم إنا خرجنا إلى المدينة، فدخلنا على محمد بن علي فقلنا له: جعلنا لك الفدا، إنّا حبَّرنا رسالة ردًّا على الناس فانظر إليها قال: فاقرءوها، قال: فقرأناها، فقال: لقد أجدتم واجتهدتم، فهل أقرأتموها زيدًا؟ قلنا: لا. قال: فأقرءوها زيدًا، وانظروا ما يرد عليكم.
قال فدخلنا على زيد فقلنا له: جعلنا لك الفدا، رسالة حبرناها ردًّا على الناس جئناك بها، قال: اقرءوها، فقرأناها عليه حتى إذا فرغنا منها، قال:
يا أبا حمزة وأنت يا أبا خالد؛ لقد اجتهدتم، ولكنها تكسر عليكم: أما الحرف الأول فالرد فيه كذا، فما زال يرددها حتى فرغ من آخرها حرفًا حرفًا، فوالله ما ندري من أي شيء نعجب من حفظه لها أو من كسرها؟ ثم أعطانا جملة من الكلام نعرف به الردّ على الناس، قال: فرجعنا إلى محمد بن علي فأخبرناه ما كان من زيد، قال: يا أبا خالد، وأنت يا أبا حمزة؛ إن أبي دعا زيدًا، فاستقرأه القرآن فقرأ، وسأله عن المعضلات فأجاب، ثم دعا له وقبّل بين عينيه، ثم قال: يا أبا خالد، وأنت يا أبا حمزة؛ إن زيدا أعطي من العلم علينا بسطة.
وروينا عن خالد بن صفوان اليمامي قال: أتينا زيد بن علي وهو يومئذ بالرصافة، رصافة هشام بن عبدالملك، فدخلنا عليه في نفر من أهل الشام وعلمائهم، وجاءوا معهم برجل قد انقاد له أهل الشام في البلاغة والبصر بالحجج، وكلمنا زيد بن علي في الجماعة، وقلنا: إن الله مع الجماعة، وإن أهل الجماعة حجة الله على خلقه، وإن أهل القلة هم أهل البدعة والضلالة.
قال: فحمد الله زيد بن علي وأثنى عليه وصلى على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم تكلم بكلام ما سمعت قرشيًا ولا عربيًا أبلغ في موعظة، ولا أظهر حجة، ولا أفصح لهجة منه، قال: ثم أخرج إلينا كتابًا قاله في الجماعة والقلة، ذكره من كتاب الله فلم يذكر كثيرًا إلا ذمّه، ولم يذكر قليلًا إلا مدحه، والقليل في الطاعة هم أهل الجماعة، والكثير في المعصية هم أهل البدع.
قال خالد بن صفوان: فيئس الشامي فما أحلى ولا أمرّ، وسكت الشاميون فما يجيبون بقليل ولا كثير، ثم قاموا من عنده فخرجوا، وقالوا لصاحبهم: فعل الله بك وفعل غررتنا وفعلت وزعمت أنك لا تدع له حجة إلا كسرتها، فخرست فلم تنطق، فقال لهم: ويلكم كيف أكلم رجلًا إنما حاجني بكتاب الله؟ أفأستطيع أن أردَّ كلام الله، فكان خالد بن صفوان يقول بعد ذلك: ما رأيت في الدنيا رجلًا قرشيًا ولا عربيًا يزيد في العقل والحجج على زيد بن علي عليهما السلام.
وروينا عن عبدالله بن محمد بن الحنفية قال: لو نزل عيسى بن مريم لأخبركم أن زيد بن علي خير من وطئ على عفر التراب، ولقد علم زيد بن علي القرآن من حيث لم يعلمه أبو جعفر، قال قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأن أبا جعفر أخذه من أفواه الرجال، وإنّ زيد بن علي أعطي فهمه.
ذكر بيعته عليه السلام ومدة ظهوره:
كان أول أمره عليه السلام أن خالد بن عبدالله القسري، ادعى مالًا قبل زيد بن علي، ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وداود بن علي بن عبدالله بن العباس، وسعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف، وأيوب بن سلمة بن عبدالله بن الوليد بن المغيرة المخزومي، فكتب فيهم يوسف بن عمر بن محمد بن الحكم عامل هشام على العراق إلى هشام. وزيد بن علي ومحمد بن عمر يومئذ بالرصافة، فلما قدمت كتب يوسف على هشام بعث إليهم فذكر ما كتب به يوسف فأنكروا، فقال لهم هشام: فإنا باعثون بكم إليه يجمع بينكم وبينه، فقال زيد: أنشدك الله وبالرحم أن تبعث بنا إلى يوسف، قال له هشام: وما الذي تخاف من يوسف؟ قال: أخاف أن يتعدَّى علينا، فدعا هشام كاتبه، فكتب إلى يوسف أما بعد: فإذا قدم عليك زيد وفلان وفلان فاجمع بينهم وبينه، فإن هم أقرَّوا بما ادّعى عليهم فسرَّح بهم إليَّ، وإن هم أنكروا فاسأله البينة فإن لم يقمها فاستحلفهم بعد صلاة العصر بالله الذي لا إله إلا هو ما استودعهم وديعة، ولا له قبلهم شيء، ثم خلّ سبيلهم، فقالوا لهشام: إنا نخاف أن يتعدّى كتابك، قال: كلا أنا باعث معكم رجلًا من الحرس يأخذه بذلك حتى يفرغ ويعجل، قالوا: جزاك الله عن الرحم خيرًا، فسرح بهم إلى يوسف وهو يومئذ بالحيرة فاجتنبوا أيوب بن سلمة لخئولته من هشام ولم يؤخذ بشيء من ذلك، فلما قدموا على يوسف دخلوا عليه فسلموا، فأجلس زيدًا قريبًا منه وألطفه في المسألة، ثم سألهم عن المال فأنكروا، فأخرجه يوسف إليهم، وقال هذا زيد بن علي، ومحمد بن عمر بن علي اللذان ادّعيت قبلهما ما ادّعيت قال: ما لي قبلهما قليل ولا كثير، قال له يوسف: أبي كنت تهزأ وبأمير المؤمنين؟ فعذّبه عذابًا ظن أنه قد قتله، ثم أخرج زيدًا وأصحابه بعد صلاة العصر إلى المسجد فاستحلفوا، فكتب يوسف إلى هشام يعلمه بذلك، فكتب إليه هشام خل سبيلهم، فخلّى يوسف سبيلهم، فأقام زيد بعد خروجه من عند يوسف بالكوفة أيامًا، وجعل يوسف يستحثه بالخروج فيعتل عليه بالشغل، وبأشياء يبتاعها، فألح عليه حتى خرج فأتى القادسية.ثم إن الشيعة التقوا به فقالوا: أين تخرج عنّا رحمك الله ومعك مائة ألف سيف من أهل الكوفة والبصرة وخراسان يضربون بها بني أمية دونك، وليس قبلنا من أهل الشام إلّا عدة يسيرة؟ فأبى عليهم، فلم يزالوا يناشدونه حتى رجع بعد أن أعطوه العهود والمواثيق، فقال له محمد بن عمر بن علي: أذكرك الله يا أبا الحسين لما لحقت بأهلك ولم تقبل قول أحد من هؤلاء الذين يدعونك، فإنهم لا يفون لك، أليسوا أصحاب جدك الحسين بن علي؟ قال: أجل، وأبى أن يرجع، وأقبلت الشيعة وغيرهم تختلف إليه يبايعونه حتى أحصى ديوانه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة خاصة سوى أهل المدائن والبصرة وواسط والموصل وخراسان والري وجرجان، وأقام بالكوفة بضعة عشر شهرًا، وأرسل دعاته إلى الآفاق والكور يدعون الناس إلى بيعته، وأرسل الفضيل بن الزبير إلى أبي حنيفة، قال فضيل: فأتيته فأبلغته رسالة زيد، فخرس لا يدري ما يرد عليَّ، ثم قال: ويحك ما تقول أنت؟ قلت: لو نصرته فالجهاد معه حق. قال: فمن يأتيه في هذا الباب من فقهاء الناس؟ قلت: سلمة بن كهيل، ويزيد بن أبي زياد، وهارون بن سعد، وأبو هاشم الرماني، وحجاج بن دينار وغيرهم، فعرفهم فقال لي: اذهب اليوم فإذا كان الغد فأتني ولا تكلمني بكلمة إلا أن تجيء فتجلس في ناحية، فإني سأقوم معك فإذا قمت فأقف أثري، فأتيته من الغد فلما رآني قام فتبعته فقال: أقره مني السلام وقل له أمّا الخروج معك فلست أقوى عليه - وذكر مرضًا كان به - ولكن لك عندي معونة وقوة على جهاد عدوّك فاستعن بها أنت وأصحابك في الكراع والسلاح، وبعث بها إلى زيد فقوّى بها أصحابه، ويقال: إنه كان ثلاثين ألف درهم، ويقال: دينار.
قال السيد أبو العباس رحمه الله تعالى وبايعه ابن شبرمة، ومسعرة بن كدام، والأعمش، والحسن بن عمارة، وأبو حصين، وقيس بن الربيع.
وحضر معه من أهله الوقعة: محمد بن عبدالله بن الحسن الحسن (النفس الزكية)، وعبدالله بن علي بن الحسين عليه السلام، وابنه يحيى بن زيد، والعباس بن ربيعة من بني عبد المطلب.
ولما دنا خروج زيد بن علي عليهما السلام أمر أصحابه بالاستعداد والتهيؤ، فجعل من يريد أن يفي يستعد وشاع ذلك، وانطلق سراقة البارقي إلى يوسف بن عمر فأخبره خبر زيد عليه السلام، فبعث يوسف فطلب زيدًا ليلًا فلم يوجد عند الرجلين الذي سعى إليه أنه عندهما، فأتى بهما يوسف فلما كلمهما استبان له أمر زيد وأصحابه، وأمر بهما يوسف فضربت أعناقهما، وبلغ الخبر زيدًا وأصحابه فتخوّف أن تؤخذ عليه الطريق، فتعجل الخروج قبل الأجل الذي ضرب بينه وبين أهل الأمصار، واستتبّ لزيد خروجه، وكان قد وعد أصحابه ليلة الأربعاء أول ليلة من صفر سنة اثنتين وعشرين ومائة، فخرج قبل الأجل، وبلغ ذلك يوسف بن عمر فبعث الحكم بن الصّلت يأمره أن يجمع أهل الكوفة إلى المسجد الأعظم يحصرهم فيه، فبعث الحكم إلى العرفاء والشرط والمناكب والمقاتلة فأدخلوهم المسجد، ثم نادى مناديه: أيما رجل من العرب والموالي أدركناه في رحلة الليلة فقد برأت منه الذمة، ائتوا المسجد الأعظم، فأتى الناس المسجد يوم الثلاثاء قبل خروج زيد، وطلبوا زيدًا في دار معاوية بن إسحاق، فخرج ليلًا، وذلك ليلة الأربعاء لسبع بقين من المحرم في ليلة شديدة البرد من دار معاوية بن إسحاق، فرفعوا الهراديّ فيها النيران، فنادوا بشعارهم شعار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا منصور أمت)، فما زالوا كذلك حتى أصبحوا، فلما أصبحوا بعث زيد القاسم ابن فلان التبعي ورجلًا أخر يناديان بشعارهما، وقال يحيى بن صالح ابن يحيى بن عزيز بن عمر بن مالك بن خزيمة التبعي، وسمى الآخر وذكر أنه صدام، قال سعيد: ولقيني أيضًا وكنت رجلًا صيّتًا أنادي بشعاره قال ورفع بن الجارود زياد بن المنذر الهمداني هرديًّا من مئذنتهم ونادى بشعار زيد، فلما كانوا في صحاري عبد القيس لقيهما جعفر بن العباس الكندي فشد عليه وعلى أصحابه فقتل الرجل الذي كان مع القاسم وارتث القاسم، فأتي به الحكم بن الصلت، فكلمه فلم يرد عليه، وضربت عنقه على باب القصر، فكان أول قتيل منهم،
قالت بنته تبكيه:
عين جودي لقاسم بن كثير
بدرور من الدموع غزير
أدركته سيوف قوم لئام
من أولي الشرك والردى والثبور
سوف أبكيك ما تغنّى حمام
فوق غصن من الغصون نضير
وقال يوسف بن عمر وهو بالحيرة: من يأتي الكوفة فيقرب من هؤلاء القوم فيأتينا بخبرهم؟ فقال عبدالله بن عياش المنتوف الهمداني: أنا آتيك بخبرهم، فركب في خمسين فارسًا، ثم أقبل حتى أتى جبانة سالم فاستخبر، ثم رجع إلى يوسف فأخبره، فلما أصبح يوسف خرج إلى تل قريب من الحيرة، فنزل معه قريش وأشراف الناس، وأمير شرطته يومئذ العباس بن سعد المزني.
قال: وبعث الريان بن سلمة البلوي في نحو من ألفي فارس وثلاث مائة من القيقانية رجالة ناشبة، وأصبح زيد بن علي وجميع من وافاه تلك الليلة مائتين وثمانية عشر رجالة، فقال زيد بن علي: سبحان الله! فأين الناس؟ قيل: هم محصورون في المسجد. قال: لا والله ما هذا لمن بايعنا بعذر.
قال: وأقبل نصر بن خزيمة إلى زيد فتلقاه عمر بن عبدالرحمن صاحب شرطة الحكم بن الصلت في خيل من جهينة عند دار الزبير بن أبي حكيمة في الطريق الذي يخرج إلى مسجد بني عدي، فقال: يا منصور أمت، فلم يرد عليه عمر شيئًا، فشد نصر عليه وعلى أصحابه فقتله وانهزم من كان معه، وأقبل زيد حتى انتهى إلى جبانة الصائديين وبها خمسمائة من أهل الشام، فحمل عليهم زيد في أصحابه فهزمهم، ثم مضى حتى انتهى إلى الكناسة فحمل على جماعة من أهل الشام فهزمهم، ثم شلهم حتى ظهر إلى المقبرة ويوسف بن عمر على التل ينظر إلى زيد وأصحابه وهم يكردون الناس ولو شاء زيد أن يقتل يوسف لقتله، ثم إن زيدًا أخذ ذات اليمين على مصلى خالد بن عبدالله حتى دخل الكوفة.
فقال بعض أصحابه لبعض: ألا ننطلق إلى جبانة كندة، قال وما زاد الرجل أن تكلم بهذا؛ إذ طلع أهل الشام عليهم، فلما رأوهم دخلوا زقاقًا ضيقًا، فمضوا فيه وتخلف رجل منهم فدخل المسجد فصلى ركعتين، ثم خرج إليهم فضاربهم بسيفه وجعلوا يضربونه بأسيافهم، ثم نادى رجل منهم فارس مقنع في الحديد: اكشفوا المغفر عن رأسه واضربوا رأسه بالعمود، ففعلوا فقتل الرجل، وحمل أصحابه عليهم فكشفوهم عنه، واقتطع أهل الشام رجلًا منهم فذهب ذلك الرجل حتى دخل على عبدالله بن عوف بن الأحمر، فأسروه وذهبوا به إلى يوسف بن عمر فقتله، وأقبل زيد بن علي على نصر، فقال: يا نصر بن خزيمة؛ أتخاف على أهل الكوفة أن يكونوا فعلوها حسينية؟ قال: جعلني الله فداك أما أنا فوالله لأضربن بسيفي هذا معك حتى أموت.
ثم خرج بهم زيد بن علي عليهما السلام يقودهم نحو المسجد فخرج إليه عبيدالله بن العباس الكندي في أهل الشام فالتقوا على باب عمر بن سعد، فانهزم عبيدالله بن العباس وأصحابه حتى انتهوا إلى باب الفيل، وجعل أصحاب زيد يدخلون راياتهم من فوق الأبواب، ويقولون: يا أهل المسجد؛ اخرجوا، وجعل نصر بن خزيمة يناديهم: يا أهل الكوفة؛ اخرجوا من الذل إلى العز، وإلى الدين والدنيا، قال: وجعل أهل الشام يرمونهم من فوق المسجد بالحجارة، وكانت يومئذ مناوشة بالكوفة ونواحيها، وقيل: في جبانة سالم.
وبعث يوسف بن عمر الريان بن سلمة في خيل إلى دار الرزق فقاتلوا زيدًا قتالًا شديدًا، وجرح من أهل الشام جرحى كثير، وشلهم أصحاب زيد من دار الرزق حتى انتهوا إلى المسجد الأعظم، فرجع أهل الشام مساء يوم الأربعاء وهم أسوأ شيء ظنّا.
فلما كان غداة يوم الخميس دعا يوسف بن عمر الريان بن سلمة فأفّف به فقال له: أف لك من صاحب خيل، ودعا العباس بن سعد المزني صاحب شرطته فبعثه إلى أهل الشام، فسار بهم حتى انتهوا إلى زيد بن علي عليه السلام في دار الرزق، وخرج إليه زيد بن علي وعلى ميمنته نصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق، فلما رآهم العباس نادى: يا أهل الشام؛ (الأرض) فنزل ناس كثير واقتتلوا قتالًا شديدًا في المعركة، وكان من أهل الشام رجل من بني عبس يقال له: نائل بن فروة قال ليوسف: والله لئن ملأت عيني من نصر بن خزيمة لأقتلنه أو ليقتلني، فقال له يوسف: خذ هذا السيف فدفع إليه سيفًا لا يمر بشيء إلا قطعه، قال: فلما التقى أصحاب العباس بن سعد وأصحاب زيد أبصر نائل نصر بن خزيمة فضربه فقطع فخذه، وضربه نصر فقتله، ومات نصر رحمه الله.
ثم إن زيدًا عليه السلام هزمهم، وانصرفوا يومئذ بشر حال، ولما كان العشي عبَّأهم يوسف، ثم سرّحهم نحو زيد، فأقبلوا حتى التقوا فحمل عليهم زيد عليه السلام، فكشفهم ثم تبعهم حتى أخرجهم إلى السبخة ثم شد عليهم حتى أخرجهم من بني سليم، ثم أخذوا على المسنّات، ثم ظهر بهم زيد عليه السلام فيما بين بارق وبني رواس وقاتلهم قتالًا شديدًا، وصاحب لوائه رجل من بني سعد بن بكر يقال له: عبد الصمد.
قال سعيد بن خثيم فكنا مع زيد بن علي في خمسمائة، وأهل الشام اثنا عشر ألفًا، وقد كان بايع زيدًا عليه السلام أكثر من اثني عشر ألفًا فغدروا به - إذ فصل رجل من أهل الشام من كلب على فرس له رائع فلم يأل شتمًا لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجعل زيد عليه السلام يبكي حتى لثقت لحيته، وجعل يقول: أما أحد يغضب لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أما أحد يغضب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أما أحد يغضب لله تعالى، قال: ثم تحول الشامي عن فرسه فركب بغلة، قال: وكان الناس فرقتين نظارة ومقاتلة، قال سعيد: فجئت إلى مولى لي فأخذت منه مشتملًا كان معي، ثم استترت من خلف نظارة حتى إذا صرت من ورائه ضربت عنقه، وأنا مستمكن منه للمشمل فوقع رأسه بين يدي بغلته، ثم رميت جيفته من السرج، وشد أصحابه عليّ حتى كادوا يرهقوني فكبّر أصحاب زيد، وحملوا عليهم فاستنقذوني، فأتيت زيدًا عليه السلام وجعل يقبل بين عيني، ويقول: أدركت والله ثأرنا، أدركت والله شرف الدنيا والآخرة وذخرهما، اذهب بالبغلة فقد نفلتكها.
قال: وجعلت خيل الشام لا تثبت لخيل زيد عليه السلام فبعث العباس بن سعد إلى يوسف يعلمه ما يلقى من الزيدية ويسأله أن يبعث إليه بالناشبة، فبعث إليه سليمان بن كيسان في القيقانية وهم بخارية، وكانوا رماة فجعلوا يرمون أصحاب زيد، وقاتل معاوية بن إسحاق الأنصاري يومئذ قتالًا شديدًا فقتل بين يدي زيد عليه السلام وثبت زيد في أصحابه حتى إذا كان عند جنح الليل رمي زيد بسهم فأصاب جبهته اليسرى فنزا السهم في الدماغ، فرجع ورجع أصحابه ولا نظن أهل الشام رجعوا إلا للسماء والليل.
أولاده عليه السلام:
ذكر السيد أبو طالب عليه السلام يحيى بن زيد، أمه: رائطة، ويقال: ريطة بنت أبي هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفية لا عقب له، وعيسى، ومحمد، والحسين، أمهم واحدة وهي: أم ولد أعقب هؤلاء الثلاثة من ولده عليه السلام.فضل الامام زيد
روى السيد أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون الحسني في كتاب الدعامة: أن جميع فرق الأمة اجتمعت على إمامة زيد بن علي عليه السلام إلا هذه الفرقة التي تقدّم ذكرها، فقال لما شهر فضله وتقدمه وظهر علمه وبراعته، وعُرف كماله الذي تقدّم به أهل عصره اجتمع طوائف الناس على اختلاف آرائهم على مبايعته فلم يكن الزيدي أحرص عليها من المعتزلي، ولا المعتزلي أسرع إليها من المرجي، ولا المرجي من الخارجي، فكانت بيعته عليه السلام مشتملة على فرق الأمة مع اختلافها، ولم يشذّ عن بيعته إلا هذه الطائفة القليلة التوفيق.إلى قوله: وكان أفضل العترة؛ لأنه كان مشاركاً لجماعتهم بوجوه لم يشاركوه فيها، فمنها اختصاصه بعلم الكلام - الذي هو أجلّ العلوم وطريق النجاة، والعلم الذي لا ينتفع بسائر العلوم إلا معه والتقدم فيه والاشتهار عند الخاص والعام.
هذا أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ يصفه في صَنْعَةِ الكلام ويفتخر به ويشهد له بنهاية التقدم، وجعفر بن حارث في كتاب الديانة، وكثير من معتزلة بغداد كمحمد بن عبدالله الإسكافي وغيره ينسبون إليه في كتبهم، ويقولون: نحن زيدية، وحسبك في هذا الباب انتساب المعتزلة إليه مع أنها تنظر إلى الناس بالعين التي ينظر بها ملائكة السماء إلى أهل الأرض مثلاً، فلولا ظهور علمه وبراعته وتقدمه على كل أحد في فضيلته لما انقادت له المعتزلة.
إلى قوله: ومما يدلّ على صحة ما رواه السيد أبو طالب من إجماع فرق الأمة على زيد بن علي لِمَا كان من فضله قولُ وروى حسن بن علي بن يحيى بن أبي يعلى عن عمر بن موسى، قال: قلت لزيد بن علي: أكان علي إماماً؟
فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نبياً مرسلاً، لم يكن أحد من الخلق بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا كان لعلي ما يذكر الغالية، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان علي من بعده إماماً للمسلمين في حلالهم وحرامهم، وفي السنة عن نبي الله وتأويل كتاب الله، فما جاء به علي من حلال أو حرام أو كتاب أو سنة كان ردّه عليه كفراً، فلم يزل ذلك حتى أظهر السيف وأظهر دعوته واستوجب الطاعة ثم قبضه الله شهيداً.
ثم كان الحسن والحسين، فوالله ما ادّعيا منزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من القول فيهما ما قال في علي عليه السلام، وأيضاً أنه قال: سيدا شباب الجنة، فهما كما سماهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانا إمامين عدلين، فلم يزالا كذلك حتى قبضهما الله تعالى شهيدين.
ثمّ كنّا ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بعدهما ولد الحسن والحسين، ما فينا إمام مفترضة طاعته، ووالله ما ادّعى علي بن الحسين أبي ولا أحد منزلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا منزلة علي، ولا كان من رسول الله فينا ما قال في الحسن والحسين، غير أنا ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهؤلاء يقولون حسدت أخي وابن أخي، أحسد أبي حقاً هو له، لبئس الولد أنا من ولد، إني إذاً لكافر إن جحدته حقاً هو له من الله، فوالله ما ادعاها علي بن الحسين، ولا ادعاها أخي محمد بن علي منذ صحبته حتى فارقني.
ثم قال: إن الإمام منا أهل البيت المفروض علينا وعليكم وعلى المسلمين مَنْ شهر سيفه ودعا إلى كتاب ربه وسنة نبيه وجرى على أحكامه وعُرِفَ بذلك، فذلك الإمام الذي لا تسعنا وإياكم جهالته.
فأما عبد جالس في بيته، مرخٍ عليه ستره، مغلق عليه بابه، تجري عليه أحكام الظالمين، لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر؛ فأنى يكون ذلك إماماً مفروضة طاعته؟
وفي فضل زيد ما روى محمد بن سالم، قال: قال لي جعفر بن محمد: يا محمد، هل شهدت عمي زيداً؟
قلت: نعم.
قال: فهل رأيت فينا مثله؟
قلت: لا.
قال: ولا أظنك والله ترى فينا مثله إلى أن تقوم الساعة، كان والله سيدنا ما ترك فينا لدين ولا دنيا مثله.
وروى عن محمد بن علي أنه قال - وأشار إلى زيد -: هذا سيد بني هاشم، إذا دعاكم فأجيبوه، وإذا استنصركم فانصروه.
مقتله ومبلغ عمره عليه السلام:
رماه داود بن كيسان من أصحاب يوسف بن عمر بنشابة فأصاب جبينه، فأمر للطبيب فعرفه أنه إن نزعها مات من ساعته، فقال عليه السلام: الموت أهون عليّ مما أنا فيه، فعهد عليه السلام عهده وأوصى وصيته، وكان من وصيته إلى ابنه يحيى عليه السلام أن قال: يا بني؛ جاهدهم فوالله إنك لعلى الحق وإنهم لعلى الباطل، وإن قتلاك لفي الجنة وإن قتلاهم لفي النار، ثم نزعت النشابة منه فقضى من حينه سلام الله عليه، وكان ذلك في عشية الجمعة لخمس بقين من المحرم سنة اثنتين وعشرين ومائة على أصح الروايات، وقيل: سنة إحدى وعشرين، وهو الذي ذكره العقيقي، حكى ذلك كله السيد أبو طالب عليه السلام.فلما توفي عليه السلام اختلف أصحابه في دفنه، ثم اتفقوا على أن عدلوا نهرًا عن مجراه، ثم حفروا له ودفنوه وأجروا الماء على ذلك الموضع، وكان معهم في تلك الحال غلام سندي، فلما أصبح نادى منادي يوسف بن عمر من دلَّ على قبر زيد بن علي كان له من المال كذا وكذا، فدلهم عليه ذلك الغلام فاستخرجوه عليه السلام من قبره ثم احتزوا رأسه فوجهوا به إلى هشام بن عبدالملك وصلبوا جثته بالكناسة.
وكان له في صلبه من الكرامات ما يدل على علو منزلته عند الله عز وجل، فمن ذلك ما روي أن العنكبوت كانت تنسج على عورته ليلًا، فكانوا -لعنهم الله- إذا أصبحوا يهتكون نسجها بالرماح.
ومنها: أن امرأة مؤمنة مرّت فطرحت عليه خمارها فالتاث بمشيئة الله عز وجل فصعدوا فحلوه، فاسترخت سرته حتى غطت عورته، ومرّ به رجل فأشار إليه بإصبعه وهو يقول: هذا الفاسق ابن الفاسق فغابت إصبعه في كفه. ومنها: ما روي أن طائرين أبيضين جاءا فوقع أحدهما على قصر والثاني على قصر آخر،
فقال أحدهما للآخر:
تنعى زيدا أو أنعاه
قاتل زيد لا نجاه
فأجابه الآخر: يا ويحه باع آخرته بدنياه.
وروي أن رجلين من بني ضبة أقبلا ويد كل واحد في يد صاحبه حتى قاما بحذاء خشبة زيد بن علي عليهما السلام، فضرب أحدهما بيده على الخشبة وهو يقول: {﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾} [المائدة:33]، قال: فذهب ليحني يده فانتثرت بالأكلة، ووقع شقه فمات إلى النار.
ولما وجه برأس زيد بن علي عليهما السلام إلى هشام بن عبدالملك بعث به إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى إبراهيم بن هاشم المخزومي، فنصب رأسه فتكلم أناس من أهل المدينة وقالوا لإبراهيم: لا تنصب رأسه فأبى، وضجت المدينة بالبكاء من دور بني هاشم كيوم الحسين عليه السلام فلما نظر كثير بن كثير بن المطلب السهمي إلى رأس زيد بن علي عليهما السلام بكى وقال: نضَّر الله وجهك أبا الحسين وفعل بقاتلك، فبلغ ذلك إبراهيم بن هشام، وكانت أم المطلب أروى بنت الحارث بن عبدالمطلب، وكان كثير الميل إلى بني هاشم، فقال له إبراهيم بلغني عنك كذا وكذا، فقال: هو ما بلغك، فحبسه وكتب إلى هشام
فقال وهو محبوس:
إن امرأ كانت مساويه
حبّ النبي لغير ذي ذنب
وكذا بني حسن فوالدهم
من طاب في الأرحام والصلب
ويرون ذنبا أن أحبكم
بل حبكم كفارة الذنب
فكتب فيه إبراهيم إلى هشام، فكتب إليه هشام: أن أقمه على المنبر حتى يلعن عليًّا وزيدًا فإن فعل وإلا فاضربه مائة سوط على مائة، فأمره أن يلعن عليًا فصعد المنبر فقال:
لعن الله من يسب عليا
وبنيه من سوقة وإمام
تأمن الطير والحمام ولا يأ
من آل النبي عند المقام
طبت بيتا وطاب أهلك أهلا
أهل بيت النبي والإسلام
مرحبا بالمطيبين من النا
س وأهل الإحلال والإحرام
رحمة الله والسلام عليكم
كلما قام قائم بسلام
وروينا عن عيسى بن سوادة قال: كنت بالمدينة عند القبر عند رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد جيء برأس زيد بن علي عليهما السلام في رهط من أصحابه فنصب في مؤخر المسجد على الرمح ونودي في أهل المدينة: برئت الذمة من رجل بلغ الحلم لم يحضر المسجد، فحشر الناس الغرباء وغيرهم، فلبثنا سبعة أيام يخرج الوالي محمد بن هشام المخزومي فيقوم الخطباء الذين قاموا بالرؤوس فيخطبون فيلعنون عليًا والحسين وزيدًا وأشياعهم، فإذا فرغ قام القبائل عربيهم وعجميهم وكان بنو عثمان أول من قام فيلعنون، ثم بطون قريش والأنصار وسائر الناس حتى إذا صلى الظهر انصرف ثم عاد في الغد مثلها سبعة أيام، فقام رجل من قريش في بعض تلك الأيام وهو محمد بن صفوان الجمحي وهو أبو هذا القاضي قاضي أبي جعفر فقال له محمد بن هشام: اقعد، ثم عاد فقام من غير أن يدعى، فقال له محمد بن هشام: اقعد، فقال: إن هذا مقام لا يقدر عليه كل ساعة، قال: فتكلم، فأخذ في خطبته، ثم تناول يلعن عليًا عليه السلام وأهل بيته والحسين بن علي وزيد بن علي عليهم جميعا السلام ومن كان يحبهم، فبينا هو؛ إذ وضع يده على رأسه، ووقع على الأرض، فظننت أن خطبته قد انقضت فلم أعلم حتى إذا كان من الليل انتشر خبره، فرماه الله عز وجل في رأسه بصداع لا يتمالك من الصداع حتى ذهب بصره في تلك الساعة، وكان رجل مستند إلى القبر فضرب بيده إليّ فزعًا! قلت: ما رأيت؟ قال: رأيت القبر انشق فخرج منه رجل عليه ثياب بيض فاستقبل المنبر فقال: كذبت لعنك الله.
وعن شبيب بن غرقد قال: قدمنا حجاجًا من مكة فدخلنا الكناسة ليلًا، فلما أن كنّا بالقرب من خشبة زيد [بن علي عليهما السلام أضاء لنا الليل، فلم نزل نسير قريبًا من خشبته فنفحت] رائحة المسك قال: فقلت لصاحبي: هكذا توجد رائحة المصلبين؟! قال: فهتف بي هاتف وهو يقول: هكذا توجد رائحة أولاد النبيين الذين يقضون بالحق وبه يعدلون.
وروينا عن حفص بن عاصم السلولي قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل بن اليسع العامري، وكان في دار اللؤلؤ قال: رأيت عرزمة أخا كناسة الأسدي، وكان من أبهى الرجال وأحسنهم عينًا، وكان في كل يوم ينطلق إلى الكناسة فيقعد عند الذين يحرسون خشبة زيد بن علي عليهما السلام، وكان هناك مجمع الأسديين فكان يلتقط في طريقه سبع حصيات، ثم يجيء فيجلس في القوم، ثم يقول: هاكم في عينه فيخذف زيد بن علي عليهما السلام بتلك السبع الحصيات في كل يوم، قال إسماعيل بن اليسع: فوالذي لا إله غيره ما مات حتى رأيت عينيه مرفودتين كأنهما زجاجتان خضراوان.
ثم أقام زيد بن علي عليهما السلام مصلوبًا على الخشبة سنة وأشهرا، وقيل: أيامًا وقيل: سنتين، ذكره السيد أبو طالب عليه السلام.
وروينا من طريق المرشد بالله عليه السلام يرفعه إلى رجاله: أنه مكث مصلوبًا إلى أيام الوليد بن يزيد، فلما ظهر يحيى بن زيد كتب الوليد إلى يوسف أما بعد: فإذا أتاك كتابي هذا فانظر عجل أهل العراق فاحرقه وانسفه في اليم نسفًا، فأمر به يوسف عند ذلك: خراش بن حوشب فأنزله من جذعه فأحرقه بالنار، ثم جعله في قواصر، ثم حمله في سفينة، ثم ذراه في الفرات، سلام الله عليه وعلى آبائه الطاهرين.
وروت الشيعة أن رماده اجتمع في الفرات حتى صار مثل هالة القمر يضيئ ضياء شديدًا وموضع ذلك معروف يستشفى به.
وكان هشام -لعنه الله- لما أتى إليه برأسه ألقاه بين الدجاج، فقال بعض أهل الشام: اطردوا الديك عن ذؤابة زيد، فلقد كان لا تطأه الدجاج،
وافتخر شاعر بني أمية بقتله وصلبه فقال:
صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة
ولم نر مهديا على الجذع يصلب
ولقد مكن الله تعالى وزير آل محمد أبا حفص الخلّال السبيعي من صلب هشام بن عبدالملك وضربه وتحريقه، وذلك أنه لما مات طلوه بالصبر لئلا يبلى، فوجدته الشيعة لما نبشته مثلما دفن، فقال بعض شعراء أهل العصر في كلمة يمدح فيها الإمام المنصور بالله عليه السلام:
وكم صون جسم كان فيه هلاكه
كما ضرّ بالتّصبير جسم هشام
من هم الرافضة؟
وحال الإمام الرضي، السابق الزكي، الهادي المهدي، زيد بن علي، وقيامه في أمة جده طافح بين الخلق، ولم يفارقه إلا هذه الفرقة الرافضة التي ورد الخبر الشريف بضلالها.وسَبَبُ مفارقتهم له مذكور في كتاب معرفة الله للإمام الهادي إلى الحق، وغيرِه من مؤلفات الأئمة والأمة، فإن الأمة أجمعت على أن الرافضة هم الفرقة الناكثة على الإمام زيد بن علي، ولكنها اختلفت الروايات في سبب نكثهم عليه، وأهل البيت أعلم بهذا الشأن، واقتدت هذه الفرقة بسلفها المارقة الحرورية، كما قال الإمام زيد بن علي: اللهم اجعل لعنتك ولعنة آبائي وأجدادي ولعنتي على هؤلاء القوم الذين رفضوني، وخرجوا من بيعتي، كما رفض أهل حَرَوْرَاء علي بن أبي طالب عليه السلام، حتى حاربوه.
وأما رواية العامّة، فقال في تاريخ الأمم والملوك لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري الجزء (8) ص272 حوادث سنة 122 ما لفظه: (وتخوَّف زيد بن علي أن يُؤْخَذَ فعجل قبل الأجل الذي جعله بينه وبين أهل الكوفة..إلى قوله: فلما رأى أصحاب زيد بن علي الذين بايعوه أن يوسف بن عمر قد بلغه أمر زيد، وأنه يدس إليه ويستبحث عن أمره، اجتمعت إليه جماعة من رؤوسهم، فقالوا: رحمك الله ما قولك في أبي بكر وعمر.
..إلى قوله: فقال لهم زيد: إن أشدّ ما أقول فيما ذكرتم إنا كنا أحق بسلطان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الناس أجمعين، وإن القوم استأثروا علينا ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفراً، قد ولوا فعدلوا في الناس وعملوا بالكتاب والسنة.
قالوا: فلم يظلمك هؤلاء إذا كان أولئك لم يظلموك، فلم تدعو إلى قتال قوم ليسوا بظالمين؟
فقال: إن هؤلاء ليسوا كأولئك إن هؤلاء ظالمون لي ولكم ولأنفسهم، وإنما ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وإلى السنن أن تُحْيا وإلى البدع أن تُطْفأ، فإن أنتم أجبتمونا سعدتم، وإن أنتم أبيتم فلست عليكم بوكيل، ففارقوه ونكثوا بيعته، وقالوا: سبق الإمام، وكانوا يزعمون أن أبا جعفر محمد بن علي أخا زيد بن علي هو الإمام، وكان قد هلك يومئذ، وكان ابنه جعفر بن محمد حياً، فقالوا: جعفر بن محمد إمامنا اليوم بعد أبيه، وهو أحق بالأمر بعد أبيه، ولا نتبع زيد بن علي فليس بإمام، فسمَّاهم زيد الرافضة.
قال: وكانت طائفة منهم قبل خروجه مرّوا إلى جعفر بن محمد بن علي، فقالوا له: إن زيد بن علي فينا يُبَايَعُ أفترى لنا أن نبايعه، فقال لهم: نعم بايعوه، فهو والله أفضلنا وسيدنا وخيرنا، فجاءوا فكتموا ما أمرهم به).
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء ج5 ص389 في ترجمة الإمام زيد ما لفظه: روى عن أبيه زين العابدين وأخيه الباقر..إلى قوله: وعنه ابن أخيه جعفر بن محمد، وشعبة، وفُضَيل بن مرزوق، والمطلب بن زياد، وسعيد بن خثيم، وابن أبي الزناد، وكان ذا علم وجلالة وصلاح، هفا وخرج فاستشهد.
إلى قوله: قال عيسى بن يونس، وجاءت الرافضة زيداً، فقالوا: تبرّأ من أبي بكر وعمر حتى ننصرك..إلى قوله: قالوا: إذاً نرفضك، فمن ثمَّ قيل لهم الرافضة، وأما الزيدية فقالوا بقوله وحاربوا معه.
وذكر إسماعيل السُّدي عنه، قال: الرافضة حربنا مرقوا علينا.
وروى عبدالله بن أبي بكر العتكي عن جرير بن حازم، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم كأنه متساند إلى خشبة زيد بن علي وهو يقول: هكذا تفعلون بولدي؟!
قال عباد الرَّواجني: أنبأنا عمرو بن القاسم، قال: دخلت على جعفر الصادق وعنده ناس من الرافضة، فقلت: إنهم يبرؤون من عمّك زيد، فقال: برأ الله ممن تبرأ منه، كان والله أقرأنا لكتاب الله وأفقهنا في دين الله، وأوصلنا للرحم ما تركنا وفينا مثله.
قال الذهبي: قلت: خرج متأوِّلاً، وقُتِلَ شهيداً وليته لم يخرج.
قلت: فهل جرى لتقديم المشائخ ذكر في رواياتهم، فنقلهم لاسم الرفض إلى من قدم علياً عَلَيْه السَّلام على المشائخ زور وبهتان ليس لهم عليه أي مبرّر، فقد اتفقنا نحن وهم على أن الرافضة هم الذين رفضوا زيد بن علي .
وعلى الجملة، قد قضت المعلومة من الأدلة، وإجماع جميع أهل الملة، أن الإمام الأعظم زيد بن علي (ع)، وطائفته هم المحقون، وأن هذه الفرقة الرافضة له مبطلون؛ وليس النزاع إلا فيما كان عليه من البراءة عن الشيخين، أم الولاية لهما، أم التوقف فيهما؛ وهو أمر آخر يجب على المتدين الاعتماد فيه على الدليل، من غير تقليد ولا تعويل، على متابعة الأقاويل.
والمعلوم من حال الإمام الأعظم صلوات الله عليه بالإجماع من الجميع أنه لم يبحث عن معتقدهم في ذلك، ولم يسألهم عن البراء، ولا التولي، وأنه لم يسمهم الرافضة، ولم يلعنهم، ولم يتبرأ منهم؛ إلا حين خذلوه، ورفضوه، ولم ينصروه؛
وبذلك يعلم أنهم لم يستحقوا ذلك، إلا لرفض إمام الحق، والخروج عن طاعة سادة الخلق، كائناً في ذلك السبب ما كان؛ هذا معلوم بأبين بيان، وأوضح برهان، والله المستعان.
فكيف يكون رافضياً من تولاه، ونصره وقاتل بين يديه، ومن أتى من بعده متبعاً لأثره، مقتدياً بهديه، مهتدياً بنوره؟! فقد صارت هذه الطائفة المتسمية بالسنية ترمي به قطعاً أولياء اللَّه، وأولياء رسوله، وأهل بيت نبيه، القانتين من هذه العصابة، تجارياً على اللَّه، واطراحاً للمفروض عليهم من حقوق القرابة، ومعاندةً للحق، ومضادة لبراهينه، وقواطعه، فإن كنت أيها الطالب للنجاة، المراقب لله، ممن اطلع على الأحوال، ومارس علم الرجال، لم تحتج إلى تجشم بيان، ولاتكلف برهان.
قال نشوان الحميري في كتابه الحور العين في ذكر الرافضة ما لفظه: فقال لهم زيد: إن أبا بكر وعمر ليسا كهؤلاء، هؤلاء ظالمون لكم ولأنفسهم ولأهل بيت نبيهم، وإنما أدعوكم إلى كتاب الله ليعمل به وإلى السنة أن يعمل بها، وإلى البدع أن تطفأ، وإلى الظَّلَمة من بني أمية أن تخلع وتنفى، فإن أجبتم سعدتم وإن أبيتم خسرتم ولست عليكم بوكيل، قالوا: إن برئت منهما وإلا رفضناك، فقال زيد: الله أكبر، حدثني أبي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي عليه السلام: «((إنه سيكون قوم يدَّعون حبّنا لهم نبز فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإنهم مشركون)) »اذهبوا فإنكم الرافضة، ففارقوا زيداً يومئذ فسمّاهم الرافضة، فجرى عليهم هذا الاسم.
[التحف شرح الزلف للإمام المجدد للدين مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي عليه السلام].
إسناد كتب الإمام الأعظم زيد بن علي عليهما السلام
يقول الإمام المجدد للدين السيد العلامة مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي عليه السلام في كتابه لوامع الأنوار:فأقول حامداً لله كما يجب لجلاله، ومصلياً ومسلماً على رسوله محمد وآله:
يروي المفتقر إلى الله تعالى، مجد الدين بن محمد - عفا الله عنهما وغفر لهما وللمؤمنين - مجموعي الإمام الأعظم الولي بن الولي، زيد بن علي بن الحسين بن علي - عليهم صلوات الملك العلي -: الحديثي، والفقهي، وسائر مؤلفاته ورسائله، بجميع الطرق السابقة إلى الإمام المنصور بالله، القاسم بن محمد، التي أرفعها عن شيخي، ووالدي العلامة الولي، محمد بن منصور بن أحمد المؤيدي رضي الله عنهم، سماعاً في المجموع الفقهي وغيره، وإجازة عامة في الجميع، عن شيخه أمير المؤمنين، المهدي لدين الله رب العالمين، محمد بن القاسم الحوثي، عن شيخه أمير المؤمنين المنصور بالله، محمد بن عبدالله الوزير، وشيخه السيد الإمام محمد بن محمد بن عبدالله الكبسي رضي الله عنهم.
فأما الإمام المنصور بالله محمد بن عبدالله، فيروي ذلك وغيره عن مشائخه الثلاثة:
السيد الإمام، بدر الآل الكرام، يحيى بن عبدالله بن عثمان الوزير.
والسيد الإمام، حافظ اليمن، سيد بني الحسن، أحمد بن زيد الكبسي.
والسيد الإمام، حافظ علوم العترة الكرام، مؤلف أنوار التمام، أحمد بن يوسف زبارة الحسني رضي الله عنه.
وثلاثتهم يروون ذلك، وغيره، عن السيد الإمام الحسين بن يوسف زبارة الحسني، عن أبيه السيد الإمام يوسف بن الحسين، عن أبيه السيد الإمام، حافظ علوم الإسلام، الحسين بن أحمد، عن السيد الإمام عامر بن عبدالله بن عامر الشهيد، عن الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم، عن أبيه الإمام المجدد للدين المنصور بالله القاسم بن محمد.
(ح) وأما السيد الإمام محمد بن محمد الكبسي، وكذا السيد الإمام أحمد بن زيد الكبسي أيضاً فيرويان ذلك، وغيره، عن السيد الإمام، نجم العترة الأعلام، محمد بن عبدالرب بن الإمام رضي الله عنهم، عن عمه السيد العلامة إسماعيل بن محمد، عن أبيه العلامة محمد بن زيد، عن أبيه العلامة زيد بن الإمام، عن أبيه الإمام المتوكل على الله إسماعيل، عن أبيه الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد.
وهو يروي ذلك، وغيره، عن مشائخه السادة الأئمة، أمير الدين بن عبدالله الهدوي الحوثي، وإبراهيم بن المهدي القاسمي الجحافي، والسيد الإمام صلاح بن أحمد بن عبدالله الوزير، المتوفى عام أربعة وعشرين وألف.
قال العلماء في شأنه: إنه كان أفضل أهل زمانه، وأورعهم، وأفصحهم، صادعاً بالحق، لاتأخذه في الله لومة لائم.
ثلاثتهم عن شيخهم السيد الإمام، شمس الإسلام، أحمد بن عبدالله الوزير، عن الإمام أمير المؤمنين المتوكل على الله يحيى شرف الدين.
وهو يروي ذلك وغيره، عن الإمام الأكرم المجاهد في سبيل الله، المنصور بالله، محمد بن علي السراجي، عن شيخه الإمام المؤتمن، أمير المؤمنين الهادي إلى الحق أبي الحسن، عز الدين بن الحسن، بن الإمام الهادي لدين الله علي بن المؤيد، عن شيخه الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين المطهر بن محمد بن سليمان الحمزي، عن شيخه الإمام أمير المؤمنين، المهدي لدين الله أحمد بن يحيى بن المرتضى عليه السلام، عن أخيه السيد الإمام الهادي بن يحيى، المتوفى عام خمسة وثمانين وسبعمائة، والفقيه العلامة محمد بن يحيى المذحجي؛ عن الفقيه العلامة، علم الدين، علامة المعقول والمنقول القاسم، عن أبيه العلامة، عين أعيان علماء الزمان أحمد، المتوفى عام أحد وسبع مائة، عن أبيه إمام الأعلام الشهيد السعيد، حميد بن أحمد المحلي الهمداني الوادعي - رضوان الله عليهم -، عن الإمام الحجة أمير المؤمنين، المجدد للدين، المنصور بالله رب العالمين، عبدالله بن حمزة.
(ح) وأروي ما تقدم من المجموع، وغيره بالسند السابق، المتصل بالإمام المتوكل على الله، يحيى شرف الدين عليه السلام.
وهو يروي ذلك، وغيره، بقراءته للمجموع الشريف، على شيخه السيد الإمام، محدّث اليمن، مؤلف الهداية والفصول، صارم الدين إبراهيم بن محمد بن عبدالله الوزير، بقراءته على السيد الإمام، شيخ العترة ومحدثها ومفسرها، وحافظ علومها، صلاح الدين أبي العطايا، عبدالله بن يحيى، بقراءته على أبيه السيد الإمام العابد الزاهد، مؤلف صلة الإخوان، يحيى بن السيد الإمام، علم الأعلام، المهدي بن القاسم الحسيني، الزيدي نسباً ومذهباً، بقراءته على السيد الإمام الواثق برب الأنام، المطهر، بقراءته على أبيه الإمام المهدي لدين الله، أمير المؤمنين محمد، بقراءته على أبيه الإمام المظلل بالغمام المتوكل على الله أمير المؤمنين، المطهر بن يحيى عليه السلام، بقراءته على الشيخ العلامة، المذاكر تقي الدين محمد بن أحمد بن أبي الرجال رضي الله عنه بقراءته على الإمام الشهيد، المهدي لدين الله، أمير المؤمنين أحمد بن الحسين عليه السلام، بقراءته على شيخ الشيعة، وحافظ الشريعة، العلامة أحمد بن محمد بن القاسم الأكوع، المعروف بشعلة رضي الله عنهم، عن الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة عليه السلام.
وساق الإسناد إلى الإمام الأعظم زيد بن علي عليهما السلام مع ترجمة لبعض رجال السند.
[ انظر لوامع الأنوار في جوامع العلوم والآثار للإمام المجدد للدين مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي عليه السلام]
انتماء فقهاء المذاهب الأربعة إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام
كان [الإمام الشافعي] من دعاة الإمام يحيى بن عبدالله: محمد بن إدريس المطلبي الشافعي رضي الله عنه، المتوفى سنة ثلاث ومائتين، وهو من أجلّ أتباع آل محمد، وأهل الإخلاص في ولاية أبناء الرسول، وهو القائل:يا أهلَ بيتِ رسول الله حبُّكم
كفاكم من عظيم الشأن أنكم
وقوله:
يا راكباً قِفْ بالمحصّبِ من منى
قِفْ ثم ناد بأنني لمحمد
إنْ كان رفضاً حبّ آل محمد
فرضٌ من الله في القرآن أنزله
مَنْ لم يصلِّ عليكم لا صلاة له
واهتف بواقف خِيْفِها والناهِضِ
ووصيه وابْنَيْه لستُ بباغضِ
فليشهد الثقلان أني رافضـي
وأفعاله وأقواله في هذا الباب أكثر من أن تحصر.
وكذلك غيره من علماء الأمة الحنيفة، وفضلاء الملة الشريفة، لا يعدلون عن أهل بيت نبيهم، ولا يميلون عن طريق هدايتهم.
فالشافعي أخذ العلم عن يحيى بن خالد المدني، وإبراهيم بن أبي يحيى المدني، وهما قرءا على الإمام زيد بن علي، وكذلك أبو حنيفة النعمان بن ثابت المتوفى سنة مائة وخمسين من تلامذة الإمام زيد بن علي وأتباعه، ومالك بن أنس الأصبحي المتوفى سنة مائة وتسع وسبعين قرأ على الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهم السلام، وأفتى بالخروج مع محمد بن عبدالله وأخيه الإمام إبراهيم بن عبدالله عليهم السلام، وأحمد بن حنبل المتوفى سنة (241هـ) أخذ عن الشافعي وألّف المناقب.
[التحف شرح الزلف للإمام المجدد للدين مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي عليه السلام].
مؤيدات تدل على أن الزيدية أهل الحق
لأهل المذهب الزيدي ولمذهبهم مؤيدات تشهد بأنهم الأولى بالحق، فمنها:1- أنهم لم يخالطوا خلفاء بني أمية وبني العباس، وكذا من بعدهم من
السلاطين، فلم يجالسوهم، ولم يساكنوهم، ولم يلوا لهم أي عمل، ولم يتجندوا معهم.
2- أنهم خرجوا على الظلمة يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر،
وقاتلوهم على ذلك، ولم يزالوا معهم في حرب على طول التأريخ.
3- أنهم صبروا على الخوف والتشرد، وخرجوا من ديارهم وأوطانهم، وصبروا على جفاء السلطان ورعاياه، كل ذلك لئلا يدخلوا فيما يسخط الله تعالى.
4- لا تجوز عندهم طاعة الفاسق المتغلب على الخلافة، ولا مناصرته، ولا معاونته، ولا مؤانسته، إلا ما أذن الله تعالى فيه من التقية: {﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ }[آل عمران:28].
5- لا يرون أن شهادة ألا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كافية لدخول الجنة كما يذهب إليه أهل السنة والجماعة، بل لا بد مع ذلك من القيام بكل ما أوجبه الله تعالى، وترك كل ما نهى الله عنه، كل ذلك على قدر المستطاع، {﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ }[التغابن:16].
6- يرون أن ما يروى عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من نحو:«((من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن سرق وإن زنى))» ، «((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) »يرون أن ذلك أماني كاذبة لم تصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعدة أمور:
-لمخالفتها القرآن: {﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ18﴾ [غافر]، ﴿وَالْعَصْرِ1 إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ2 إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ3﴾} [العصر]، والآيات في هذا الباب كثيرة.
-لما في ذلك من التشجيع والإغراء بارتكاب الكبائر والجرائم والمآثم وترك الأعمال الصالحة.
-لما في ذلك من هدم شرائع الإسلام، ونشر الفوضى والفساد.
7- يذهبون إلى أن أهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذا ماتوا غير تائبين فإنهم من أهل النار خالدين فيها لا يخرجون منها، وأن ما روي من خروجهم من النار أماني كاذبة لا يجوز الركون عليها، ولا الالتفات إليها لعدة أمور:
أ-لأن اليهود قد قالوا بمثل هذه المقالة فندد الله بها، وذمهم عليها، واستنكرها أشد الاستنكار، فقال تعالى:{﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ80 بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ81﴾} [البقرة]، فحسم الله تعالى أطماع الطامعين وأماني المتمنين من اليهود ومن هذه الأمة فقال: {﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً...﴾} إلخ، على التعميم والشمول، ولم يستثن أحداً من ذلك الحكم القرآني الحكيم.
ب- أن الله تعالى قد توعد بالخلود في النار الزاني وقاتل النفس المحرمة، والعائد إلى الربا في سورة الفرقان والنساء والبقرة، وتوعد العصاة على العموم بالخلود في النار، فقال سبحانه في سورة النساء بعد ذكره لحدود المواريث مخاطباً بذلك المسلمين فقال تعالى في أول الآية: {﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ..﴾} إلخ [النساء:11]، ثم قال تعالى في آخرها: {﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ...﴾ }[النساء:13]،{﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ14﴾} [النساء].
ج- أن من طبيعة الرواية إذا صحت أن تفيد الظن، ولا يستفاد منها العلم، والمطلوب في مسائل الاعتقاد العلم واليقين، وهذه من مسائل الاعتقاد الهامة التي يترتب عليها خطر عظيم.
د- إذا فرضنا أن المذهبين متساويان في المصداقية فإن الاحتياط هو فيما نذهب إليه نحن الزيدية؛ لأنه إذا انكشف الأمر يوم القيامة بالخروج من النار لم يضرنا القول بعدم الخروج، وإن انكشف عدم الخروج كنا قد أخذنا حذرنا واحتطنا لأنفسنا.
8-الزيدية لا يغالون في الصحابة ولا يقدسونهم، بل ينظرون إليهم نظرة عادلة، وهي أنهم وغيرهم في عدل الله سواء «من أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها»، وأن صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضيلة، وليست حصانة لا يضر معها ذنب، فالذي يرتكب الكبيرة من الصحابة ومن غير الصحابة سواء في حكم الله، بل قد يكون الصحابي أشد استحقاقاً لغضب الله وسخطه؛ لكثرة نعم الله على الصحابي، ومن هنا قال تعالى لنساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا عصين الله ورسوله: {﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ }[النساء:30].
9- الزيدية ينزهون الله تعالى عن معاصي العباد؛ عن فعلها، وعن مشيئتها، وعن إرادتها، ويقولون: إن العصاة هم الذين اختصوا بفعلها وإرادتها ومشيئتها، وأنهم فعلوها مختارين غير مضطرين، وأن الله تعالى لم يكن منه في ذلك غير ما أعطاهم من القدرة والقوة، وجعل فيهم من الطبيعة، ومكنهم من فعل ما يريدون.
ويقولون: إنه تعالى لو شاء لأجبرهم على الطاعة واضطرهم إليها، غير أنها اقتضت حكمته أن يكونوا مختارين،{﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ } [الكهف:29]، ليستحقوا الثواب والعقاب، {﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى31﴾} [النجم].
10- العقل عند الزيدية من أقوى الأدلة؛ لذلك ينزهون الله تعالى عن الجسمية والأعضاء والحلول في مكان، وعن الرؤية؛ لأن الحلول في مكان والرؤية من خصائص الأجسام.
11- أحاديث الصحيحين ليست كلها صحيحة، وليس كلها باطلاً، بل فيها الصحيح وغير الصحيح، ولا يجوز عند الزيدية أن يُقلَّدَ أهل الحديث في حكمهم بالصحة للصحيحين، ولا في غير الصحيحين بالتصحيح والتضعيف و..إلخ، ولهم في تمييز الصحيح من غيره طرق:
1- العقل، فعن طريقه تعرف الأحاديث الخرافية كحديث الدابة المروي في مسلم، وفي الصحيحين الكثير من ذلك.
2- القرآن، فالحديث الذي يخالف القرآن يترك عندهم، ولا يلتفتون إليه.
3- الأحاديث المجمع على صحتها؛ فإذا خالفها أي حديث فإنه لا يقبل.
4- أهل البيت، فالحديث الذي يخالف ما ذهب إليه أهل البيت عليهم السلام فإنه لا يقبل؛ لما جاء فيهم من الأدلة مثل حديث الثقلين.
12- يذهبون إلى أن الله تعالى متعال ومتنزه عن كل صفات المخلوقات لذلك يقولون:
1- إن الله تعالى ليس بجسم.
2- لا تحله الأعراض التي هي الحركات والسكون، والاجتماع والافتراق والألوان، والذهاب والمجيء، والصعود والنزول، والفرح والسرور، والضحك والبكاء، والهم والحزن، والإرادة والكراهة والمحبة و...إلخ.
3- إن الله تعالى منزه عن الحلول في مكان فليس بجهة فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا فوق العرش ولا...إلخ.
4-إنه تعالى منزه عن أن يرى بالأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة.
5-ليس له وجه ولا يدان، ولا جنب، ولا قدم، ولا...إلخ.
13- يذهبون إلى أنه تعالى منزه عن ظلم عباده كما نطق بذلك القرآن، وعلى ذلك قالوا:
1- إن الله تعالى لم يخلق الكفر في الكافر ولا الفسق في الفاسق، ولا العصيان في العاصي؛ إذ لو خلق الله ذلك في الكافر والفاسق والعاصي ثم عذبه على ما خلق فيهم لكان ظالماً، وقد نزه الله تعالى نفسه عن الظلم: {﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾} [النساء:40].
2- المكلفون هم الذين يعملون المعاصي باختيارهم ومشيئتهم وإرادتهم لا دخل لمشيئة الله تعالى وإرادته في وجود ذلك؛ إذ لو كان الأمر على غير ذلك كما يقوله أهل السنة لكان تعالى ظالماً.
3- لا يقضي الله تعالى بالكفر والفسوق والعصيان، ولا يقدِّر ذلك؛ إذ لو فعل تعالى لكان ظالماً، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
14- الزيدية لا يكفِّرون الصحابة، ولا يفسِّقونهم، ولا يلحقون بهم ما لا يجوز من السب والشتم، كيف وقد رفع الله قدرهم في القرآن، وأثنى عليهم بما هو ظاهر، غير أنهم يحكمون على مرتكب الكبيرة بما حكم الله تعالى به على أهل الكبائر، وسواء في ذلك الصحابي وغيره، ولا يرون لأحد من المكلفين حصانة تمنعه من عذاب الله إذا ارتكب الكبائر ومات من غير توبة.
15- الزيدية يذهبون إلى الحكم بخلود أهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في النار إذا ماتوا مصرين على العصيان، ولا يخرج أحد من النار بعد دخولها.
16- الزيدية يذهبون إلى أن اسم الإيمان اسم شريف لا يستحقه إلا المصدق بالله ورسوله وأنبيائه، وما أنزل الله عليهم واليوم الآخر، ثم استقام على السمع والطاعة فيما أمر الله ورسوله ونهى الله ورسوله.
17- أن الذي يرتكب الكبيرة لا يسمى عندهم مؤمناً ولا كافراً، بل هو عندهم في منزلة وسط بين منزلة الكفر والإيمان، ويطلقون على صاحب هذه المنزلة اسم الفاسق الظالم المجرم، وهذا في حين أنه يسمى عندهم مسلماً؛ لأنه لم يرتكب معصية تخرجه من الإسلام، ودليل ذلك قوله تعالى: {﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾} [الحجرات:14]، ولا تتحرج الزيدية من ذم صاحب هذه المنزلة ومقته، ولا ترى له حرمة ما دام مصراً على الفسوق والعصيان.
18- ليس في المذهب الزيدي شيء من الخرافات والأوهام، ولا شيء من الغلو كما هو الحال عند أهل المذاهب الأخرى؛ فالإمامية غلت في أئمتها وقالت فيهم ما لا ينبغي أن تصدق به العقول، وأهل السنة غلوا في الصحابة، وأبدعوا في توحيد الله تعالى فقالوا: إن كل ما وجد في الكون من حركة أو سكون أو طاعة أو معصية فإن الله تعالى هو وحده الذي فعل ذلك وخلقه دون ما سواه من خلقه، وأن من قال: إن المعصية حصلت بفعل المكلف فقد جعل لله شريكاً. وفي قولهم هذا غاية الذم لله العلي الكبير سبحانه وتعالى، حيث نسبوا إليه فعل معاصي العباد.
وكثير من أهل السنة يشبهون الله تعالى بخلقه حين أثبتوا له الأعضاء والجوارح و...إلخ.
[من ثمار العلم والحكمة للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
سلامة عقائد الزيدية من الخرافات ومخالفة فطر العقول
والذي تتميز به الزيدية عن سائر الفرق- سلامة عقائدها من الخرافات، ومخالفة ما تعرفه فطر العقول؛ فإنك إذا نظرت إلى ما عند الزيدية في ذلك كله وجدته مسايراً لما تعرفه فطر العقول، تأنس به وتنجذب إليه، وتذعن له وتعترف به، وفي ذلك من الدليل على صحة ديانتهم ما لا يخفى.وذلك أن الله تعالى جاء بالشرائع المتطابقة مع فطر العقول، ومع ما تعرفه العقول، وتنجذب إليه، وتأنس به، ألا ترى إلى قوله تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِث..} [الأعراف:157].
وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن}[الأعراف: 33].
وكثيراً ما يختم الله تعالى الآية بقوله: {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ونحو ذلك؛ إشارة منه جل وعلا إلى أن ما جاء به من الدين والشريعة موجود في العقل، ومركوز فيه بالفطرة، ولا يحتاج العاقل، في الاعتراف بصحته إلا أن يرجع إلى عقله وفكره ليتذكر ذلك.
أما سائر المذاهب الإسلامية الأخرى فقد تلوثت بخرافات وأباطيل، تمجها الفطرة، وتنفر عنها، ويستنكرها العقل، ويشمئز منها، ولا يعترف بها.
فقول بعضهم: إن الله تعالى هو الذي خلق الكفر في الكافر، وخلق الزنا في الزاني، وخلق المعصية في العاصي، وقدر ذلك، وشاءه وأراده، لا فعل للعبد في ذلك، ولا اختيار، ولا مشيئة ولا إرادة، ولا قدرة لـه على التخلص من ذلك، وأن الله تعالى سيعذبه على ذلك.
فهذا قول مرفوض عند العقل؛ لما فيه من المنافاة للعدل والإحسان الذي تمدح الله بنفيه عن نفسه، ولما فيه من الظلم الذي نفاه تعالى أيضاً عن نفسه.
وقول بعضهم: إن الله تعالى هو الذي خلق المعصية في العاصي، وأوجدها، وشاءها، وأرادها، وقدرها، وإن العاصي مع ذلك فعلها باختياره، ومشيئته، وإرادته، فهذا قول متناقض، لا يصدق به العقل ولا يقبله، وذلك أن المعصية إذا كانت قد حدثت بفعل الله وإرادته ومشيئته وقضائه وقدره فأين فعل العاصي واختياره ومشيئته؟ وإن كانت حدثت بفعل العاصي فأين فعل الله؟
وقول بعضهم: إن الله تعالى سيرى يوم القيامة بلا كيف، لا يمكن للعقل أن يصدق ذلك ولا يقبله، وذلك أن الرؤية لا تقع إلا على ذي كيفيات، والمراد بالكيفيات الصفات الظاهرة من الطول والعرض والحركة والسكون واللون ونحو ذلك.
ولا يمكن أبداً أن تقع رؤية العين على شيء لا هو متحرك، ولا ساكن، ولا طويل، ولا قصير، ولا عريض، ولا متلون بلون، ولا هو فوق، ولا تحت، ولا يمين، ولا شمال، لا خلف، ولا أمام، ولا هو قريب، ولا بعيد، ولا بين بين، ولا... إلخ، فمثل ذلك لا يقبله عقل، ولا يصدق به، ومن المحال أن يؤمن به عاقل.
ويتحير العقل في قول أهل السنة: إن الله تعالى هو الذي يخلق أفعال العباد الطاعات منها والمعاصي، ويستبعد ذلك، ولا يقبل به،...ويتساءل: فما فائدة إرسال الرسل وإنزال الكتب ما دام أن الأمر مفروغ منه؟!
ولماذا الثواب والعقاب في جنات النعيم، وفي عذاب الجحيم، ما دام أن الله تعالى هو الذي يتولى فعل الطاعات والمعاصي دون العباد؟!
ويتساءل العقل: لماذا يعذب الله تعالى بأشد العذاب في نار جهنم عباده على غير شيء اجترحوه؟! ولماذا يعذبهم على شيء هو تعالى تولى فعله دونهم؟!
أليس هذا من الظلم الذي تمدح الله تعالى بنفيه عن نفسه في نحو قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً40} [النساء]؟!
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
شبه وردود حول الزيدية
نجد الزيدية اليوم يخالفون الإمام زيد في كثير من المسائل، فكيف تصح لكم هذه النسبة مع المخالفة؟
الجواب:تصح للزيدية نسبتهم إلى الإمام زيد عليه السلام بمتابعتهم له في أصول الدين وكلياته، فالنسبة عند الزيدي ليست نسبة فروعية كنسبة الشافعي والحنفي والحنبلي والمالكي، وقد كان فيما سبق يوجد الهدوي نسبة إلى الهادي عليه السلام، والناصري نسبة إلى الناصر الأطروش عليه السلام، مع أن الفريقين ينتسبان إلى الزيدية، هذا وكل إمام، بل كل عالم مجتهد من الزيدية له مذهب خاص في فروع الدين، مع أنك إذا سألته عن مذهبه؟ أجابك: أنه زيدي، والسبب في هذا أن الزيدية يحرمون التقليد في فروع الدين على المجتهد، فكل إمام من أئمتهم مع توليه لمن سبقه من الأئمة لا يستجيز لنفسه تقليدهم.
نسمع دائمًا مقوله: أن الزيدية معتزلة في الأصول وحنفية في الفروع، فهل هذا صحيح؟
الجواب:هناك تقارب بين الزيدية وبين من ذكرت، فإن أراد هذا القائل أن هناك تشابهًا بين الزيدية و المعتزلة في الأصول، وبين الزيدية والحنفية في الفروع فلا بأس بذلك، وليس بقادحٍ، فالمذاهب فيما بينها تتقارب، لكن اتفاقًا لا تقليدًا، هذا وتفسير التقارب بين الزيدية والمعتزلة هو أن مؤسس المعتزلة واصل بن عطاء كان تلميذًا لأبي هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفية ابن الإمام علي عليه السلام، قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة في سياق إثبات أن مرجع العلوم كلها هو الإمام علي عليه السلام: «فإن المعتزلة الذين هم أهل التوحيد والعدل وأرباب النظر، ومنهم تعلم الناس هذا الفن، تلامذته وأصحابه -يعني: الإمام علي عليه السلام- لأن كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذه عليه السلام» فلو ادعى هذا القائل أن المعتزلة زيدية لكان له وجه، مع أنه غير صحيح، هذا والإمام زيدٌ أكبر من واصل في العمر، فقد ولد الإمام زيد عليه السلام في 75 هجرية، وواصل في 80 هجرية، كما أنه عليه السلام أكثر علمًا وأعظم أثرًا من واصل، وقد كان واصل يقصد الإمام زيد عليه السلام بمسائله فقد وجد في مجموع رسائل الإمام زيد عليه السلام جوابٌ منه يجيب واصلًا عن مسألة في الخلافة، فكيف تصح دعوى تأثر المسئول بالسائل؟!
وأما التقارب بين الزيدية والحنفية فمرجعه إلى أن أبا حنيفة رحمه الله أخذ على جعفر الصادق عليه السلام، وكان يقول: «لولا السنتان لهلك النعمان» يريد بالسنتين التي أخذ فيها على جعفر، وهذا مشهور غير منكور.
وهذا الجواب حملًا منا لهذا القائل على السلامة، وإلا فالحقيقة أنا نعرف أن هذه المقالة قد لا تكون بريئة، وأنها شنشنة نعرفها من أخزم؛ إذ أن البعض قد لا يقصد بها إلا الطعن في الزيدية بعدم الأصالة، وأن مذاهبهم مستقاة من هنا وهناك، والبعض يقولها فرارًا من لزوم الحجة عليه، وكأنه لما رأى الأدلة القاضية بوجوب اتباع العترة المطهرة، وأنه ليس له في ترك اتباع العترة وجه، عمد إلى التشكيك في وجود مذهب للعترة رأسًا بأن جعل الزيدية تابعة غير متبوعة، فإذا قيل له: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «((تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا ...إلخ)) »قال: وأين العترة؟ فإذا قيل له: ها هم أولاء الزيدية، قال: هؤلاء معتزلة أو جارودية.
كذلك يدور كلامٌ مفاده أن الزيدية اليوم هم جارودية، وأنهم قد غيروا وبدلوا عن مذهب زيد عليه السلام؟
الجواب:أولًا: إن هذا القول كسابقه، غرض صاحبه إعفاء نفسه من المسؤولية، وهو هروب إلى غير مهرب، ونحن نقول له: هب أننا نحن اليوم لسنا على مذهب زيد والعترة عليهم السلام، أكان هذا يعفيك عن التفتيش عن أقوالهم، والنظر في كتبهم، واتباعهم، وتوليهم؛ لأن الذي أمرك الله ورسوله باتباعه هو الحق الذي لا يجوز أن ينقرض، ولا أن يخلو منه عصر من الأعصار، ولا بد من وجوده ووجود من يمثله إلى يوم القيامة، فإذا لم يكن الزيدية اليوم هم الزيدية، ولم يكن العترة هم العترة، فأين هم؟! وقد قال لك النبي صلى الله عليه وآله وسلم:«((إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض))» .
ثانيًا: إن الجارود بن المنذر كان أحد المبايعين للإمام زيد عليه السلام، بل وأحد تلامذته، وإنه لم يُعلم له أقوالٌ تخالف أو توافق الإمام زيد عليه السلام، ولم يظهر له تلاميذ ينتسبون إليه كمذهب مستقل، ولم نجد أحدًا من العلماء يصرح بأنه جاروديٌ، وإنما وجدنا دعوى بأنه صاحب مذهب في كتب خصوم الزيدية، ونسبوا له أقوال العترة وأتباعهم من الزيدية؛ ليتسنى لهم رميها بالبدعة من دون حرج التعرض للعترة أنفسهم وهربًا من تهمة النصب وهي لازمة لهم في الحالين؛ لأن الواجب عليهم إذ رأوا أن الزيدية لا تتبع العترة أن يبادروا هم إلى اتباعهم والكون معهم وموالاتهم ومعادات عدوهم، وأن ينظروا في حجية أقوالهم في أصول الدين وفروعه؛ ليتعبدوا الله بها فيكونوا من الفائزين الناجين.
هناك الكثير من أهل البيت في هذا العصر على غير مذهب الزيدية، فكيف عرفنا أن المراد بأهل البيت هم الزيدية؟
الواقع أن علماء أهل البيت كثير، فمنهم الكثير في المذهب الجعفري الاثني عشري، بل إنهم أعمدة ذلك المذهب وأركانه، ولهم علوم واسعة، وأقدام راسخة في التحقيق والتدقيق، وهكذا يوجد الكثير منهم في المذهب الشافعي والحنفي والمالكي وكلهم علماء راسخون ومحققون، فلماذا اختص من ذكرتم بتلك الأوصاف؟وما هو الذي أنزلهم تلك المنازل عندكم دون غيرهم من علماء أهل البيت الموجودين في المذاهب الأخرى مع أنهم لا يقلون عنهم في العلم والتحقيق والتدقيق؟
الجواب ومن الله التوفيق والتسديد يكون من عدة نواحٍ:
الناحية الأولى: أنا أولاً عرفنا الحق، وبمعرفته تم لنا معرفة أهل الحق، ومعرفتنا للحق نفسه كانت بفطرة العقل، فإنا نظرنا في المذاهب الإسلامية التي هي مذاهب أهل السنة ومذاهب الشيعة رأينا أن مذهب الزيدية هو المذهب الوحيد الذي سلم من الخرافات ومخالفة العقل، وسلم من الغلو والتفريط، وتوافق مع فطرة العقل والحكمة، يعرف ذلك من اطلع على المذاهب.
الناحية الثانية: أن المذهب الزيدي اعتمد في أدلته وبنى مذهبه على الأدلة التي أجمعت عليها الطوائف المختلفة بخلاف أهل المذاهب الأخرى.
فهناك أحاديث أجمعت الطوائف الشيعية والسنية على روايتها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى صحتها، فجعلتها الزيدية قواعد وأسساً بنت عليها مذاهبها.
أما أهل السنة والجعفرية، وغيرهما فقد بنى كل منها مذهبه على روايات اختصوا بروايتها وصححوها وحدهم دون غيرهم من أهل المذاهب، ولا شك أن ما بني من المذاهب على ما أجمعت الطوائف على صحته وروايته أولى بالحق مما بني من المذاهب على روايات غير مجمع على صحتها.
الناحية الثالثة: أن علماء أهل البيت التابعين لمذهب الشافعي أو الحنفي أو المالكي أو الحنبلي ليس لهم مذهب يدعون إليه، وإنما هم تابعون ومقلدون للإمام الشافعي أو لأبي حنيفة أو لمالك أو لأحمد بن حنبل، وإذا دعوا فإنما يدعون إلى اتباع واحد من أولئك الأئمة الأربعة.
ومن هنا فيكون وجود هؤلاء العلماء من أهل البيت في المذاهب الأخرى كالعدم، ولا يصح وصفهم بالأئمة؛ لأنهم تابعون غير متبوعين، وقد أجمع أهل المذاهب أنه لا يجوز تقليد المقلِّد ولا اتباعه في الأحكام الشرعية، وهم مقلِّدون.
الناحية الرابعة: اختصت الجعفرية بمذاهب لا برهان لهم عليها إلا روايات رووها هم وحدهم، ولم يروها غيرهم من طوائف المسلمين، لا الزيدية ولا غيرهم.
أما مذاهب الزيدية فبرهانهم عليها روايات مجمع على صحتها عند الجعفرية وأهل السنة والزيدية، فمن هنا قلنا إن أهل البيت (الزيدية) هم المرادون بما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أهل بيته، وقد قال أمير المؤمنين كما في النهج: (فاعرف الحق تعرف أهله).
[من ثمار العلم والحكمة للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
كيف تكون الزيدية طائفة الحق مع قلة عددها؟
قد يقال: كيف تكون الزيدية هي طائفة الحق الناجية وهي طائفة صغيرة قليلة العدد، محصورة في زاوية صغيرة من أرض اليمن، وإذا حسبت طوائف المسلمين فلا تكاد تذكر لقلتها وعدم شهرتها، وشهرتها مقصورة على المختلطين بها والمجاورين لها من سائر الطوائف، أما عموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها فلا معرفة لها بالزيدية على الإطلاق؟قد يقال في الجواب:
إن الزيدية وإن كانت قلة قليلة محصورة في زاوية من زوايا اليمن فإنها معروفة على طول التاريخ بإمامها زيد بن علي، وبعقائدها ومذاهبها عند جميع علماء المسلمين.
وإذا كان علماء الطوائف يعرفون الزيدية وعقائدها ومذاهبها فقد تمت الحجة عليهم.
ولا يلزم الطائفة المحقة أن تبلغ كل فرد فرد من المسلمين الحق وحججه وبراهينه، بل يكفي أن يعرف ذلك العلماء، وقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يعلم الناس معالم دينهم ثم يقول:«((ألا فليبلغ الشاهد الغائب))» ، وقال تعالى: {﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ122﴾} [التوبة].
ـ وقد استنكر الله تعالى على علماء بني إسرائيل حين كتموا الحق وسكتوا عن تبليغه الناس في آيات كثيرة من القرآن مما يدل على أن على علماء أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغوا الناس ما يعلمون من الحق، وأن حجة الله تعالى لا تسقط على الناس بسكوت العلماء عن إذاعتها ونشرها.
- من الغريب نفور أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن أهل البيت عليهم السلام وعن مذاهبهم، وتدينهم ببغضهم والتنفير عنهم وشدة العداوة لهم، و... إلخ، وقد ظهر ذلك في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم منذ أن مات نبينا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وإلى اليوم.
ـ والمعروف أن الأمة ترى الأحاديث الصحيحة في أهل البيت عليهم السلام، وتعلم صحتها عن نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، وتعترف بصحتها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويدرسها العلماء والطلبة، ثم لا يصدهم علمهم بذلك عما هم عليه من الكراهة والعداوة لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بل إنهم مع ذلك يدينون بأن محبة آل محمد ذنب عظيم لا يغفر، ويدينون بأن عداوتهم والبغض لهم من تمام الإيمان ومن أركانه.
ـ وتراهم يحافظون على الصلوات وأداء الزكاة، والصيام، والحج، و... إلخ، ويظهر عليهم في تدينهم أنهم يرجون رحمة الله وشفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودخول الجنة، وأنهم سيحظون برضوان الله، ويعتقدون أنهم أهل الحق.
ـ وما أدري كيف راج عندهم ذلك مع علمهم المستحكم بما جاء به نبيهم نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم في دينه لأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم من التقدم في الفضل، ووجوب ولايتهم ومحبتهم، وأنهم أهل الحق لا يفارقهم ولا يفارقونه إلى يوم القيامة، وأنهم.. وأنهم... إلخ.
[من ثمار العلم والحكمة للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
مكانة الزيدية ودورها في أنواع العلوم
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام هو إمام الزيدية، وقد كان عليه السلام هو أول من فتح للناس باب علم الكلام، وذلك كتابه عليه السلام (نهج البلاغة) الذي تنحني لبديع فلسفته إن صح التعبير جباه فلاسفة الروم واليونان، وتتصاغر أمامها فلسفتهم، ومنه عليه السلام أخذ علماء الكلام فلسفتهم الكلامية.قال ابن أبي الحديد في ج ١/ ١٧ وهو يتحدث عن ابتداء علم الكلام: ومن كلامه عليه السلام اقتُبِس، وعنه نُقل، وإليه انتهى، ومنه ابتدأ؛ فإن المعتزلة الذين هم أهل التوحيد والعدل، وأرباب النظر تلامذته عليه السلام، وذلك أن واصل بن عطاء هو كبير المعتزلة قد أخذ العلم عن أبي هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذ علي عليه السلام.
وأما الأشعرية فإن كبيرهم أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري، وهو تلميذ أبي علي الجبائي، وأبو علي أحد مشائخ المعتزلة.
وأما الزيدية والإمامية فانتماؤهم إليه ظاهر. انتهى.
ثم قال في ص ١٨: ومن العلوم علم الفقه وهو عليه السلام أصله وأساسه، وكل فقيه في الإسلام فهو عيال عليه ومستفيد من فقهه؛ فأبو حنيفة أخذ الفقه عن جعفر بن محمد عليه السلام، والشافعي أخذ الفقه عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ... إلخ. انتهى.
ثم قال في ص ١٩: ومن العلوم علم تفسير القرآن، وعنه أُخِذ ومنه فُرِّع، وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك؛ لأن أكثره عنه وعن عبدالله بن عباس، وقد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له عليه السلام، وانقطاعه إليه، وأنه تلميذه وخرِّيجه، وقيل له: أين علمك من علم ابن عمك؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط.
ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوف، وقد عرفت أن أرباب
هذا الفن في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون، وعنده يقفون، وقد صرح بذلك الشبلي، والجنيد، وسَرِيّ، وأبو يزيد البسطامي، ومعروف الكرخي، وغيرهم. انتهى كلام شرح نهج البلاغة.
قلت: وصدق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول: «أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت الباب» أو كما قال.
ثم نقول بعد ذلك: إن التأريخ قد ظلم الزيدية حيث أغفل ذكرها في هذا المجال وحظها الأكبر وتقدمها وسبقها في تقرير فلسفة الكلام وقواعد الأصول وعلم الفقه والحديث والتفسير و ... إلخ؛ فلا تكاد تسمع لهم في كتب التأريخ في هذا المجال حساً ولا حركة.
تميز أئمة الزيدية منذ عهدهم الأول (أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام)، ومروراً بمجدد الدعوة زيد بن علي عليهما السلام وابنه يحيى عليه السلام ثم إلى آخر دعاتهم وأئمتهم عليهم السلام بمميزات ظاهرة هي كما يلي:
١ - العدل في الرعية في غايته القصوى، ولا يوجد ذلك في غيرهم من الخلفاء على الإطلاق، ومن أجل ذلك نقم كثير من الصحابة على أمير المؤمنين عليه السلام هذه السيرة العادلة فنكثوا بيعته، والأدلة التأريخية على ذلك متكاثرة ومتواترة.
ومن أقوالهم المشهورة: (نقدمكم في العطاء، ونتقدمكم عند اللقاء) وهكذا كانوا منذ أمير المؤمنين إلى آخر دعاتهم عليهم السلام.
ولم نجد هذه الميزة الكريمة لأحد من الخلفاء ولا حتى الخلفاء الأولين.
٢ - تميز أئمة الزيدية بسياسة إسلامية عالية لم يسلكها غيرهم من الخلفاء على الإطلاق أيضاً، وهي التوجه التام إلى نشر العلم، ومن هنا فإنك تجد لكل إمام من أئمتهم عدة مؤلفات في مختلف العلوم الإسلامية.
وقد كان الإمام الهادي عليه السلام يملي مسائل العلم وهو على ظهر الخيل في حال الجهاد، وكانوا يرون ذلك من أعظم أبواب الجهاد ومن أولاها بالاهتمام، ومن واجبات الأئمة؛ لذلك أثر عنهم في هذا المجال ما لم يؤثر عن غيرهم من الكثرة الهائلة في تراثهم العلمي والثقافي، وما تحمله مؤلفاتهم من الإبداع العجيب الذي يدل على ما وراءه من غزارة المادة وقوة الفكر وتوقد الذكاء.
ومن أراد تصديق ما قلنا فما عليه إلا أن يطالع كتب الإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلام، وهي مجموعة كتب في فنون من العلم مختلفة، أو كتب حفيده الإمام الهادي عليه السلام وهي أيضاً مطبوعة متوفرة في المكاتب اليمنية، أو كتب محمد بن القاسم بن إبراهيم، أو كتب الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني عليه السلام، والمطبوع منها هو كتاب إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي كبير ظني أنه لم يؤلف قبله مثله في بابه.
وعلى الجملة فإنه لم يبلغ فريق من طوائف المسلمين ما بلغت إليه الزيدية في هذا المجال.
وفي كبير ظني أن مسند الإمام زيد بن علي عليه السلام هو أول كتاب ألف وجمع في الحديث والفقه، وذلك أن استشهاد زيد عليه السلام كان سنة ١٢١ هـ وهذا التاريخ سابق لزمن تدوين الحديث وترتيبه.
وللإمام محمد بن عبدالله النفس الزكية كتاب مشهور بكتاب (السيرة) يوجد منه مقتطفات في كتب الفقه في أبواب متفرقة، وقد قيل: إن محمد بن الحسن الشيباني أخذ منه كتابه الموطأ في الفقه، والنفس الزكية قد استشهد في أول خلافة أبي جعفر المنصور، وذلك قبل أن يجمع مالك الموطأ.
[من ثمار العلم والحكمة للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
بماذا تتميز الزيدية؟
تميز أئمة الزيدية منذ عهدهم الأول (أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام)، ومروراً بمجدد الدعوة زيد بن علي عليهما السلام وابنه يحيى عليه السلام ثم إلى آخر دعاتهم وأئمتهم عليهم السلام بمميزات ظاهرة هي كما يلي:1- العدل في الرعية في غايته القصوى، ولا يوجد ذلك في غيرهم من الخلفاء على الإطلاق، ومن أجل ذلك نقم كثير من الصحابة على أمير المؤمنين عليه السلام هذه السيرة العادلة فنكثوا بيعته، والأدلة التأريخية على ذلك متكاثرة ومتواترة.
ومن أقوالهم المشهورة:«(نقدمكم في العطاء، ونتقدمكم عند اللقاء) » وهكذا كانوا منذ أمير المؤمنين إلى آخر دعاتهم عليهم السلام.
ولم نجد هذه الميزة الكريمة لأحد من الخلفاء ولا حتى الخلفاء الأولين.
2- تميز أئمة الزيدية بسياسة إسلامية عالية لم يسلكها غيرهم من الخلفاء على الإطلاق أيضاً، وهي التوجه التام إلى نشر العلم، ومن هنا فإنك تجد لكل إمام من أئمتهم عدة مؤلفات في مختلف العلوم الإسلامية.
وقد كان الإمام الهادي عليه السلام يملي مسائل العلم وهو على ظهر الخيل في حال الجهاد، وكانوا يرون ذلك من أعظم أبواب الجهاد ومن أولاها بالاهتمام، ومن واجبات الأئمة؛ لذلك أثر عنهم في هذا المجال ما لم يؤثر عن غيرهم من الكثرة الهائلة في تراثهم العلمي والثقافي، وما تحمله مؤلفاتهم من الإبداع العجيب الذي يدل على ما وراءه من غزارة المادة وقوة الفكر وتوقد الذكاء.
ومن أراد تصديق ما قلنا فما عليه إلا أن يطالع كتب الإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلام، وهي مجموعة كتب في فنون من العلم مختلفة، أو كتب حفيده الإمام الهادي عليه السلام وهي أيضاً مطبوعة متوفرة في المكاتب اليمنية، أو كتب محمد بن القاسم بن إبراهيم، أو كتب الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني عليه السلام، والمطبوع منها هو كتاب إثبات نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي كبير ظني أنه لم يؤلف قبله مثله في بابه.
وعلى الجملة فإنه لم يبلغ فريق من طوائف المسلمين ما بلغت إليه الزيدية في هذا المجال.
وفي كبير ظني أن مسند الإمام زيد بن علي عليه السلام هو أول كتاب ألف وجمع في الحديث والفقه، وذلك أن استشهاد زيد عليه السلام كان سنة 121هـ وهذا التاريخ سابق لزمن تدوين الحديث وترتيبه.
وللإمام محمد بن عبدالله النفس الزكية كتاب مشهور بكتاب (السيرة) يوجد منه مقتطفات في كتب الفقه في أبواب متفرقة، وقد قيل: إن محمد بن الحسن الشيباني أخذ منه كتابه الموطأ في الفقه، والنفس الزكية قد استشهد في أول خلافة أبي جعفر المنصور، وذلك قبل أن يجمع مالك الموطأ.
[من ثمار العلم والحكمة للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
رموز في تأريخ المذهب الزيدي
هناك رجالات في تأريخ المذهب الزيدي كان لهم دور فعال في نعش المذهب وحياته بعد عصر علي والحسنين عليهم السلام، والرموز كما يظهر لي هم:1ـ زيد بن علي.
2ـ القاسم بن إبراهيم.
3ـ الناصر الأطروش.
4ـ الهادي يحيى بن الحسين.
5ـ أحمد بن الحسين وأخوه يحيى بن الحسين بن هارون.
6ـ عبدالله بن حمزة.
7ـ القاسم بن محمد.
8ـ مجدالدين المؤيدي.
فهؤلاء رموز من الدرجة الأولى، ومن سواهم من الأئمة هم رموز من الدرجة الثانية.
وإنما قلنا ذلك تبعاً لما نراه من الآثار الدالة على ما ذكرنا.
ولسائر الأئمة دور فعال في حياة المذهب، ولكن آثاره دون آثار من ذكرنا، وليس ذلك نقصاً في منازلهم، فهم جميعاً صلوات الله عليهم حجج الله على عباده، وخلفاء نبيه، وورثة كتابه، وحملة علمه، وأعلام هداه، وسفينة النجاة.
[من ثمار العلم والحكمة للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
طبقات أئمة الزيدية
الطبقة الأولى:
أولها الإمام زيد بن علي وآخرها الإمام الهادي يحيى بن الحسين وولداه محمد وأحمد، والذين لمعوا في هذه الطبقة: الإمام زيد، والإمام جعفر الصادق، وأبوه محمد الباقر، والإمام القاسم بن إبراهيم وأولاده، والإمام أحمد بن عيسى، والإمام عبدالله بن موسى، والإمام يحيى بن الحسين، والحسين بن علي الفخي، والأئمة محمد وإبراهيم ويحيى وإدريس أبناء عبدالله بن الحسن الكامل، والإمام الناصر الأطروش، والإمام الهادي يحيى بن الحسين وولداه محمد وأحمد.والطبقة الثانية:
تبتدئ من حيث انتهت الطبقة الأولى، وتنتهي بالإمام الشهيد أحمد بن الحسين صاحب ذيبين.وقد لمع في هذه الطبقة الإمام أبو العباس الحسني، والإمام المؤيد بالله، والإمام أبو طالب، والقاسم العياني وولده الحسين، وأحمد بن سليمان، وعبدالله بن حمزة، والإمام الشهيد أحمد بن الحسين صاحب ذيبين.
الطبقة الثالثة:
تبتدئ من حيث انتهت الثانية، وتنتهي بالإمام القاسم بن محمد وولداه المؤيد بالله والمتوكل على الله، وقد لمع في هذه الطبقة: الحسن والحسين ابنا بدر الدين، والمطهر بن يحيى، وولده محمد، والمؤيد بن أحمد، وعلي بن المؤيد، وعز الدين بن الحسن، وولده الحسن، وشرف الدين، والقاسم بن محمد وولداه المؤيد والمتوكل.الطبقة الرابعة:
تبتدئ من حيث انتهت الثالثة وتنتهي بعلي بن محمد العجري ومجدالدين المؤيدي والحسين بن يحيى الحوثي.وقد عاصرت هؤلاء الثلاثة، وعرفتهم حق المعرفة، وأخذت عنهم جميعاً، وهؤلاء الثلاثة ممن لمعوا في طبقتهم، وقد لمع قبلهم في هذه الطبقة الإمام محمد بن القاسم الحوثي، والمنصور، والمتوكل، وأحمد بن هاشم.
وقد كانت ظروف هذه الطبقة قاسية؛ لجبروت الاحتلال التركي لبلاد الزيدية، ثم قيام ثورة الجمهورية، فلم تسمح الظروف الخانقة لبروز علماء أهل البيت وظهورهم.
-وتصنيف هذه الطبقات الأربع هو حسب تصوري، ويمكن لغيري أن يصنف غير هذا التصنيف، ويرتب غير هذا الترتيب، ويعدد في كل طبقة أكثر مما عددت وهو مصيب، وأئمة أهل البيت عليهم السلام كلهم نجوم لامعة يهدون إلى الحق القويم، وكل منهم قد نجم في عصره، واشتهر أمره ووضحت حجته، صلوات الله عليهم ورحمته وبركاته، فهم أهل الفضل والفضائل، وخيرة الله وصفوته من بريته، وحملة دين الله وخلفاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
سوأنا وإن لم أعدد إلا بعضهم فليس ذلك لنقص في منازلهم، فهم عندي وعند الصالحين في أعلى المراتب البشرية بعد أنبياء الله ورسله صلوات الله عليهم وسلامه، وإنما لأن من ذكرتهم كانوا بارزين بأسمائهم في ذاكرتي لكثرة ورود أسمائهم عليها، وتكرر ذكرهم عندها.
فهذه الطبقات يأخذ كل منها في طريق من سبقه ويهتدي بهديه، ويستأنس بطريقته، ويسترشد برشاده، ويسير بسيرته.
-وإمام أهل هذه الطبقات جميعاً هو الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فبه يأتمون، وبهداه يهتدون، وبدينه يدينون.
-وإنما بدأنا تصنيف طبقات الزيدية من زيد عليه السلام؛ لأن الشيعة كانوا قبل زيد عليه السلام أهل مذهب واحد لا يختلفون، فلما قام زيد عليه السلام اختلفوا فصاروا فرقتين بعد أن كانوا فرقة واحدة؛ ففرقة ناصروا زيداً وشايعوه وجاهدوا معه فسموا زيدية، وفرقة رفضت القيام مع زيد في جهاده وقعدت عنه فسموا إمامية، وسماهم زيد الرافضة؛ لآثار رواها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهم.
-فمنذ ذلك الحين ولدت طبقات الزيدية وبدأ تأريخها، ولا يعني ذلك أن مذهب الزيدية مذهب مستحدث، فمذهب زيد هو مذهب سلفه الصالح الذي أخذه عن أبيه علي بن الحسين، عن جده الحسين، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
-وقد ترك لنا زيد عليه السلام ذلك المنهج المأثور عن علي، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
-وما تزال الزيدية إلى اليوم تستند إلى ذلك، وتعتمد عليه بعد القرآن، وتعتبره أصح الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن علي عليه السلام.
يقال: إن الزيدية أخذت علم الكلام عن المعتزلة، وأن زيداً تتلمذ على واصل بن عطاء.
قلنا: هذه المقولة باطلة، فالزيدية تعلمت أصول دينها عن إمامها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام؛ فإنه أول من تكلم في أصول الدين، وأول من أخرج للناس فلسفة العدل والتوحيد، وذلك كلامه في نهج البلاغة الذي لم يترك باباً من أبواب علم الكلام إلا ووضع خطوطه العريضة، وأسس قواعده الفلسفية، وفتح أبوابها.
-فعنه أخذ الزيدية أصول دينها، وعلى أسسه بنوا قواعدها، وأرسوا بنيانها.
-بل إن المعتزلة هم الذين أخذوا عن الزيدية، وتعلموا منهم أصول فكرهم الفلسفي، ومبادئ علم الكلام وقواعده، فقد روى الثقات أن واصل بن عطاء أخذ أصول علم الفلسفة عن الحسن بن محمد بن الحنفية، والحسن أخذ عن أبيه محمد بن الحنفية، ومحمد بن الحنفية أخذ عن أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ومن واصل أخذ المعتزلة فهو إمامهم الأول.
-ذكر هذا العلامة المعتزلي ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة، وهذا الكلام هو الجدير بالصدق، والأقرب إلى الحق، وذلك لأمرين:
1-أن الراوي له هو أحد علماء المعتزلة.
2-أن أمير المؤمنين عليه السلام هو أول من تكلم في مباحث علم الكلام ودقق وحقق في مباحثه بأساليب منطقية، ولم يؤثر هذا العلم عن أحد غيره لا من الصحابة ولا من التابعين، فمن الجدير بالصحة أن يكون عليه السلام هو إمام الناس جميعاً في هذا العلم الفلسفي الحكيم.
هذا، وقد قال قوم: إن فقه الزيدية الموجود اليوم مأخوذ من الفقه الحنفي، وهذه المقالة باطلة كسابقتها، وليس لأهل هذه المقالة مستند يستندون إليه في ذلك، ولعل سندهم هو ما يجدونه من التشابه في بعض قواعد الفقه، وفي بعض مسائله، وذلك ليس بحجة على ما يقولون؛ لأن هناك تشابهاً أيضاً بين فقه الشافعية والمالكية وبين فقه المالكية والحنفية، وبين فقه الحنفية والشافعية في كثير من القواعد الفقهية وفي الكثير من المسائل الفقهية، ولم يقل أحد إن ذلك دليل على أن بعضهم أخذ من بعض.
وليس في أئمة الزيدية قصور في علمهم، ولا في فطنهم عن علماء الحنفية والشافعية والمالكية حتى يستبعد منهم ما أخرجوه من الفقه، وكيف يستبعد ذلك منهم، وقد أوتوا فهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلمه بنص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟
وصح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا لهم: «((اللهم اجعل العلم في زرعي وزرع زرعي))».
وقد نصبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأمة بعده، وجعلهم خلفاءه؛ لسد الفراغ بعد موته يتكلمون بلسانه، ويهدون بهديه، ويبينون للناس الحق عند الاختلاف بشهادة حديث الثقلين وغيره.
لذلك نقول: إنهم هم أئمة الناس يأخذ الناس عنهم، ولا يأخذون عن أحد.
-واعلم أن تينك المقالتين إنما قيلتا للخدش في فضل أئمة الزيدية، وللحط من كرامتهم، وللتقليل من شأنهم، ولتنزيل درجاتهم عن درجات غيرهم من أهل المذاهب الإسلامية في الأصول والفروع، وذلك ليرغب الناس عن معارفهم وعلومهم، ولينصرف الناس إلى غيرهم.
[من ثمار العلم والحكمة للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
إسناد مذهب أهل البيت الزيدية بطرقه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأرفع الأسانيد
يقول الإمام الحجة المجدد للدين مجد الدين المؤيدي
يقول الإمام الحجة المجدد للدين مجد الدين بن محمد بن منصور المؤيدي عليه السلام في كتابه لوامع الأنوار في جوامع العلوم والآثار : أروي مذاهب آل محمد صلوات الله عليهم، وأصول عقائدهم ودياناتهم في العدل والتوحيد، والوعد والوعيد، والنبوءات والإمامات، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفقههم، وأحاديث الأحكام، من سنة جدهم سيد الأنام، عن والدي وشيخي العلامة الولي، عابد آل محمد وزاهدهم، محمد بن منصور بن أحمد المؤيدي رضي الله عنهم قراءة وإجازة لجميع طرقه؛ وهو يروي ذلك عن شيخه أمير المؤمنين، المهدي لدين الله رب العالمين، محمد بن القاسم الحوثي الحسيني صلوات الله عليه قراءة، وإجازة عامة.وأروي أيضاً عن الإمام (ع)
وأروي أيضاً عن الإمام (ع)، ذلك وغيره بجميع طرقنا؛ وهو يروي ذلك وغيره، عن شيخه أمير المؤمنين، المنصور بالله رب العالمين، محمد بن عبدالله الوزير، قراءة وإجازة عامة، وعن شيخه السيد الإمام، محمد بن محمد بن عبدالله الكبسي (ع)، قراءة وإجازة عامة، وعن شيخه القاضي العلامة، شيخ الإسلام، أحمد بن إسماعيل القرشي العلفي رضي الله عنه، قراءة وإجازة عامة.فأما الإمام المنصور بالله محمد بن عبدالله (ع)، فيروي ذلك قراءة وإجازة، عن السيد الإمام، يحيى بن عبدالله بن عثمان الوزير، وعن السيد الإمام، مؤلف أنوار التمام، أحمد بن يـوسف زبارة الحسني، وعن السيد الإمام، أحمد بن زيد بن عبدالله الكبسي (ع).
وأما السيد الإمام الحافظ، محمد بن محمد بن عبدالله الكبسي، وكذا السيد الإمـام، أحمد بن زيد الكبسي، والقاضي العلامة أحمد بن إسماعيل القرشي، فيروون جمـيعاً ذلك وغيره، عن شيخهم السيد الإمام، نجم العترة الأعلام، محمد بن عبد الرب بن محمد بن زيد بن الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم (ع) قراءة وإجازة؛ وهو يروي ذلك وغيره عن عمه السيد العلامة، إسماعيل بن محمد، عـن والده العلامة محمد بن زيد، عن والده العلامة زيد بن الإمام، عن والده الإمام الأواه، أمير المؤمنين المتوكل على الله، إسماعيل، عن والده الإمام الأعظم المجدد للدين أمير المؤمنين، المنصور بالله رب العالمين، أبي محمد، القاسم بن محمد ابن رسول الله صلوات الله عليه، وعلى آله وسلامه.
ويروي السيد الإمام محمد بن عبد الرب أيضاً
(ح)، ويروي السيد الإمام محمد بن عبد الرب أيضاً، ذلك وغيره، عن شيخه السيد العلامة إسماعيل بن إسماعيل بن ناصر الدين، عن السيد العلامة محمد بن زيد بن محمد بن الحسن بن القاسم (ع)، عن والده زيد المتوفى سنة ثلاث ومائتين وألف، مؤلف الإيجاز في المعاني والبيان، والقسطاس في الرد على صاحب النبراس، عن والده محمد بن الحسن بالإجازة العامة، من الإمام القاسم لولده سلطان الإسلام، الحسن بن الإمام القاسم وإخوته (ع).وأما السيد الإمام، بدر الآل الكرام، يحيى بن عبدالله بن عثمان الوزير، وكذا السيدان الإمامان: أحمد بن زيد الكبسي، وأحمد بن يوسف زبارة (ع)، فيروون ذلـك وغيره، عن شيخهم السيد الإمام، حافظ علوم آل محمد (ع)، الحسين، المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائتين وألف بن يوسف المتوفى سنة تسع وسبعين ومائة وألف بن الحسين المتوفى سنة إحدى وأربعين ومائة وألف، بن أحمد بن صلاح زبارة الحسني (ع)؛ وهو يروي ذلك وغيره، عن أبيه العلامة يوسف عن أبيه السيد الإمام، شيـخ آل محمد، حافظ العلوم والأسانيد، الحسين بن أحمد، عن الإمام الزاهد العابـد، أمير المؤمنين، المؤيد بالله، محمد بن إسماعيل، عن أبيه الإمام المتوكل على الله إسماعيل، عن أبيه الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد (ع).
(ح)، ويروي أيضاً السيد الإمام الحافظ السابق، الحسين بن أحمد بن صلاح زبارة ذلك وغيره، عن شيخه السيد العلامة عامر، المتوفى سنة مائة وألف بن عبدالله بن عـامر الشهيد، عن الإمام الأعظم، والبحر الخضم، أمير المؤمنين، المؤيد بالله رب العـالمين، أبي علي، محمد بن الإمام القاسم عن أبيه الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد (ع).
(ح)، ويروي السيد الإمام الحسين بن أحمد أيضاً ذلك وغيره عن القاضي العلامة المفضال، أحمد بن صالح بن أبي الرجال، عن شيخه القاضي العلامة، حواري الآل، شيخ الإسلام، وإمام الشيعة الأعلام، أحمد بن سعد الدين المسوري رضي الله عنهم، عن الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم، عن أبيه الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد (ع).
ويروي أيضاً السيد الإمام، نجم العترة الأعلام، محمد بن عبد الرب
(ح)، ويروي أيضاً السيد الإمام، نجم العترة الأعلام، محمد بن عبد الرب ابن الإمام، ذلك وغيره عن شيخه السيد الإمام علي بن عبدالله الجلال، من السادة اليـحيويين، وقد سبق نسبهم في التحف الفاطمية؛ توفي سنة خمس وعشرين ومائتين وألف، عن شيخه السيد العلامة الحافظ، عبد القادر بن أحمد بن الناصر الكوكباني، المتوفى سنة سبع ومائتين وألف، من ذرية الإمام يحيى شرف الدين(ع) .ويروي أيضاً السيد الإمام أحمد بن زيد الكبسي
(ح)، ويروي أيضاً السيد الإمام أحمد بن زيد الكبسي، عن القاضي العلامة الحسـين بن محمد العنسي، عن السيد العلامة إبراهيم، المتوفى سنة ثلاث وعشرين ومائتين وألف، بن عبد القادر عن أبيه الحافظ عبد القادر بن أحمد بن الناصر؛ وهو يروي بطريقين:إحداهما عن شيخه السيد العلامة يوسف بن الحسين زبارة بسنده السابق، والأخرى عن القاضي العلامة أحمد بن محمد قاطن، المتوفى سنة تسع وتسعين ومائة وألـف، عن السيد العلامة أحمد بن عبد الرحمن الشامي، المتوفى سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف، عن السيد الإمام الحافظ الحسين بن أحمد زبارة، بسنده المتقدم.
وأروي أيضاً ذلك وغيره عن والدي قدس الله روحه، عن شيخه السيد الإمام، عالم آل الرسول الكرام، عبدالله بن أحمد البصير المؤيدي العنثري، قراءة وإجازة، وبجميع الطرق السابقة إليه، عن شيخيه شيخي الإسلام عبدالله بن علي بن علي الغالبي، وأحمد بن إسماعيل القرشي العلفي.
فأما القاضي الحافظ شيخ الإسلام عبدالله بن علي الغالبي، فعن شيخيه السيدين الإمامين: أحمد بن يوسف زبارة، وأحمد بن زيد الكبسي قراءة، وإجازة، بطرقهما السابقة آنفاً، والآتية - إن شاء الله تعالى -.
وأما القاضي العلامة أحمد بن إسماعيل القرشي، فعن شيخه السيد الإمام، محمد بن عبد الرب بن الإمام ثم بطرقه المارة، والآتية إن شاء الله تعالى.
ويروي أيضاً ذلك وغيره الإمام الأعظم، المجدد للدين، المهدي لدين الله، محمد بن القاسم بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عن شيخه السيد الإمام محمد بن محمد الكبسي، وهو يروي هو والسيد الإمام، شيخ بني الحسن أحمد بن زيد الكبسي، عن شيخهما السيد العلامة الحسن المتوفى سنة ثمان وثلاثين ومائتين وألف، بن يحيى الكبسي، عن أخيه محمد المتوفى سنة تسع عشرة ومائتين وألف؛ بن يحيى الكبسي قراءة، وعن السيد العلامة قاسم المتوفى سنة إحدى ومائتين وألف بن محمد الكبسي، إجازة عن السيد العلامة الكبير هاشم المتوفى سنة ثمان وخمسين ومائة وألف، بن يحيى الشامي اليحيوي، مؤلف نجوم الأنظار، حاشية على البحر الزخار، عن السيد العلامة زيد بن محمد بن الحسن بن الإمام القاسم بن محمد (ع)، عن القاضي العلامة علي المتوفى سنة تسع عشرة ومائة وألف، بن يحيى بن أحمد بن مضمون البرطي، عن إمام العلوم، وطود الحلوم، سيد أعلام التحقيق، الحسين، عن أبيه الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد (ع).
نعم فهذا مختار الطرق إلى الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد، ومعتمدها.
وثمة طرق إلى الإمام، وإلى من بعصره من الأعلام، سيكون التعرض لها إن وقع احتياج إليها في التفصيل - إن شاء الله تعالى -.
وفيما ذكرنا كفاية وافية، وعليها المدار في الإيراد والإصدار، وسواها متفرعة منها، ومستندة إليها، كما يعلمه ذووا الاطلاع والاختبار.
هذا، وفيما قد حصّلناه هنا فائدة عظمى، ومهمة كبرى، وهي أن كل من اتصل به السند هذا المبارك، فهو طريقنا إليه، في كل ماله من رواية ودراية وتأليف، من لدينا إلى الإمام القاسم بن محمد (ع) يعلم ذلك.
وإنما تيسر لنا هذا المطلب الأعظم بمن الله تعالى وفضله، لمزيد العناية، وكلية البحث في اختيار الرواة، الناقلين عمن اتصلوا به لجميع ما له، حتى اتصل السند - والحمـد لله تعالى -؛ وسنبلغ الجهد في إتمام ذلك بإعانة الله تعالى وتسديده، ونوضح ما تحصل من ذلك.
وما كان في رواية مُعَيَّنَةٍ أو كتاب خاص، فسيتبين من السياق، والله تعالى ولي التوفيق.
ولنعد إلى المقصود، بعون الملك المعبود، فنقول: والإمام الأعظم، المجدد للدين، أمير المؤمنين، المنصور بالله رب العالمين، القاسم بن محمد، يروي ذلك وغيره، بطرقه إلى الإمام الناصر لدين الله، الحسن بن علي بن داود بن الحسن بن الإمام الهادي لدين الله، علـي بن المؤيد (ع). بطرقه إلى الإمام المتوكل على الله يحيى شرف الدين بن شمس الدين، بطرقه إلى الإمام المنصور بالله، محمد بن علي السراجي الوشلي (ع).
بطرقه إلى الإمامين الأعظمين، المتوكل على الله المطهر بن محمد بن سليمان الحمزي، والهادي إلى الحق عز الدين بن الحسن المؤيدي (ع) بطرقهما إلى الإمام المهدي لدين الله أحمد بن يحيى المرتضى (ع)، بطرقه إلى الإمام الناصر لدين الله صلاح الدين محمد بن علي، ووالده الإمام المهدي لدين الله علي بن محمد (ع)، بطرقهما إلى الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة (ع)، بطرقه إلى الإمام المتوكل على الله المطهر بن يحيى وولده الإمام المهدي لدين الله محمد بن المطهر (ع)، بطرقهما إلى الإمام الشهيد المهدي لدين الله أحمد بن الحسين (ع)، بطرقه إلى الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة بن سليمان، وشيخي آل رسول الله شمس الدين يحيى، وبدر الدين محـمد ابني أحمد بن يحيى بن يحيى (ع) بطرقهم إلى الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان (ع).
بطرقه إلى الإمام المؤيد بالله أحمد بن الحسين الهاروني، وأخيه الإمام الناطق بالحق أبي طالب يحيى بن الحسين، وأبي العباس أحمد بن إبراهيم الحسني (ع)، بطرقهم إلى الإمام عماد الدين يحيى بن المرتضى محمد بن الإمام الهادي إلى الحق، يحيى بن الحسين (ع)، بطرقه إلى عمه الإمام الناصر لدين الله أحمد بن يحيى (ع)، بطرقه إلى إمام الأئمة وهادي الأمة، أمير المؤمنين، الهادي إلى الحق المبين، يحيى بن الحسـين بن القاسم (ع)، عن أبيه الحافظ الحسين، عن أبيه ترجمان الدين، نجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم الغمر( )، عن أبيه إسماعيل الديباج، عن أبيه إبراهيم الشِبْه( ) (ع)، عن أبيه الحسن الرضى، عن أبيه الحسن السبط، عن أبيه أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وأخي سيد النبيين، علي بن أبي طالب (ع)، عن الرسول الأمين، صفوة رب العالمين، خاتم النبيين، محمد بن عبدالله - صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين.
[لوامع الأنوار في جوامع العلوم والآثار للإمام المجدد للدين مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي عليه السلام]
مذهـب أهــل البيت عليهم السلام الزيدية في الصحابة
الزيدية لا يكفِّرون الصحابة، ولا يفسِّقونهم، ولا يلحقون بهم ما لا يجوز من السب والشتم، كيف وقد رفع الله قدرهم في القرآن، وأثنى عليهم بما هو ظاهر، غير أنهم يحكمون على مرتكب الكبيرة بما حكم الله تعالى به على أهل الكبائر، وسواء في ذلك الصحابي وغيره، ولا يرون لأحد من المكلفين حصانة تمنعه من عذاب الله إذا ارتكب الكبائر ومات من غير توبة.[من ثمار العلم والحكمة للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
مذهب أهل البيت عليهم السلام الزيدية في الفقه
مذهب الزيدية في الفقه فهو مذهب متسع لا يُلزم بتقليد إمام معين، ولا يوجب التقيد بمذهب مجتهد، بل يتحتم عند الزيدية على المجتهد أن يعمل باجتهاده، ويحرم عليه التقليد مع تمكنه من الاجتهاد، ويجيز للمقلد أن يقلد من شاء من المجتهدين إذا استووا في نظره، وله أن ينتقل من تقليد مجتهد إلى تقليد مجتهد آخر، وله أن يقلد مجتهداً في مسألة ومجتهداً آخر في مسألة أخرى، وآخر في ثالثة، وهكذا.وقد اشتهر في ذلك قول الإمام زيد عليه السلام:«(اختلافنا لكم رحمة، فإذا أجمعنا...إلخ)» ، يريد عليه السلام أن اختلاف علماء أهل البيت عليهم السلام رحمة لأتباعهم أي: سعة وتيسير فيأخذ أحدهم بمذهب من شاء منهم، أو بما فيه تيسير وترخيص.
ويذهب علماء الزيدية إلى أن مجموع الإمام زيد بن علي الحديثي أصح الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كالبخاري عند أهل السنة، ولهم مرويات أخرى حديثية إلا أنها في المنزلة الثانية، فمجتهد الزيدية يعتمد على مرويات أئمة الزيدية، وفي مقدمتها مجموع الإمام زيد.
فمذهب الهادي عليه السلام يعتمد بعد القرآن على هذه المرويات، وهكذا مذهب الإمام الناصر، ومذهب القاسم، ومذهب المؤيد بالله، ومذهب أبي طالب، ولكل إمام من أهل البيت ومن علماء الزيدية مذهب يذهب إليه في بعض مسائل الفقه، إلا أن ذلك قليل بالنسبة لما يتفقون فيه.
ولا يعدون ذلك خلافاً، ولا نزاعاً، ولا يُخطِّئ بعضهم بعضاً في ذلك، ولا يشنعون به، بل إن الواحد منهم إذا استفتاه مستفتٍ في مسألة يدل المستفتي على المجتهد الآخر الذي في مذهبه تيسير وترخيص؛ لئلا يوقع المستفتي في حرج إذا أفتاه بمذهبه.
وقد جمع الزيدية فقه الإمام القاسم وفقه أولاده، وفقه الهادي وولديه، وفقه الناصر، وأخذوا منه قواعد وفرّعوا، وحققوا ذلك ودققوه، وأخرجوا منه مذهباً يرجع إليه عامة الزيدية.
وأول من جمع ذلك أبو العباس الحسني والمؤيد بالله وأبو طالب في القرن الرابع...، وما زال هذا المذهب هو معتمد الزيدية في جميع بلادها يدرس في مدارسها، ويتعلمه الصغير والكبير، والذكور والإناث، وهو المعتمد في القضاء والمعاملات، وهذا المذهب نظير ما وضعته الشافعية لمذهب الإمام الشافعي، ونظير ما وضعته الحنفية لمذهب أبي حنيفة، ونظير ما وضعته المالكية لمذهب مالك، و...إلخ.
إلا أن أهل هذه المذاهب ألزموا أتباعهم بالأخذ بها، وحرموا الاجتهاد على المجتهدين وألزموهم تقليدها، في حين أنا نحن الزيدية لا نلزم ولا نحتم على المقلد الأخذ بالمذهب بل نجيز له أن يأخذ بمذهب من شاء من مجتهدي الزيدية، ونقول له: إن تقليد الحي أولى من تقليد الميت، ونحرم على المجتهد التقليد، ونوجب عليه الأخذ بمذهب نفسه.
فهذا هو حقيقة مذهب الزيدية في الأصول والفروع.
وبعد، فالمجادلة في الأسماء لا معنى لها إلا أن أعداء الزيدية يرمون الزيدية بكل ما أمكن ليلبسوا على الناس، وليشوهوا مذهب الزيدية.
هذا، والسبب في اعتماد مذهب القاسم والناصر والهادي وأولاده واعتماد ذلك في الفقه لعموم الزيدية- لأن هؤلاء الأئمة أول من صنف في الفقه، وأول من وضع أبوابه، واستكمل مسائله دون من سبقهم من أئمة الزيدية.
أما من سبقهم من الأئمة فلم يصنفوا في الفقه بل اقتصروا فيما كتبوه على الرواية مثل الإمام زيد، والإمام الباقر، والصادق، وأحمد بن عيسى، ومحمد بن منصور المرادي، وعبدالله بن موسى بن عبدالله، ويحيى بن الحسين من أولاد زيد بن علي، وأحمد بن عيسى العلوي و...إلخ.
[من ثمار العلم والحكمة للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]