⬇️ تحميل الكتاب كاملاً

خمسون خطبة للجمع والأعياد

لا يوجد
📄 صفحة 57 - الجزء 1

الخطبة الأولى

[في التقوى]

  بسم ا لله الرحمن الرحيم

  الحمد لله الذي انحسرت االأوصاف عن كنه معرفته، ورُدِعَت عن عظمته العقول فلم تجد مساغاً إلى بلوغ غاية ملكوته، وهو الله الملك ا لحق المبين، أحق وأبين مما تراه العقول بتحديد فيكون مشبهاً، ولم تقع عليه الأوهام فيكون ممثلاً، خلق الخلق على غير تمثيل، ولا مشورة مشير، ولا معونة معين، فتم خلقه بأمره، {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}⁣[الأنعام ١٠٣]، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}⁣[الشورى: ١١].

  وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ونجيبه وصفوته، لا يوازى فضله، ولا يُجْبَر فَقْدُه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطاهرين.

  أما بعد: - عباد الله، يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ١}⁣[النساء]، إن التقوى فضيلة، فلذلك نرى الله سبحانه وتعالى يذكر التقوى ومشتقاتها كثيراً في القرآن، والتقوى معناها جعل النفس في وقاية، ولا تجعل النفس في وقاية إلا مما يُخَاف، فخوف الله أصلها، والخوف يستدعي العلم بالمخوف، ومن هنا كان الذي يعلم الله هو الذي يخشاه وهو الذي يتقيه، فالمتقون هم الذين يقون أنفسهم عذاب الله وسخطه في الدنيا والآخرة وذلك بالوقوف عند حدوده وامتثال أوامره واجتناب نواهيه {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ