إذ هذا من فروض الكفاية، بل كما قال الأعرابي: «البعرة تدل على البعير، وآثار الأقدام تدل على المسير، أفسماء ذات أبراج، وأرضُ ذات فجاج، لا يدلان على اللطيف الخبير»، مع أن كل مولود يولد على الفطرة.
معجزة القرآن
  ثم اعلم أن القرآن معجزة دالة على صدق نبينا، وصدق ما فيه، وصدق ما جاء به، ولا يعرف إعجازه إلا بالعقل، وإذا حكم العقل أنه معجز صح أن يستدل به في أصول الدين فيما يجب لله ويمتنع كسائر الأدلة العقلية؛ لأنه بإعجازه صار من جملتها، ثم إن الحجة على المكلفين هي ما وهب الله لهم من العقول الكافية لمعرفة ما يجب عليهم، وأما فضلة العقل فهي متباينة، فمن ترك الهوى واستعمل العقل الأصلي ازداد، قال تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى}، ومن آثر الهوى يمكن أن يعاقب بنقصه وتغطيته، قال تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١٠}[الانعام: ١١٠].
  نعم، ولزيادة العقل طرق وأسباب كالتجربة، وسكون المدن، والقراءة في العلوم، والمطالعة لأخبار الماضين وسيرهم، سيما العلماء، وأهل مكارم الأخلاق، وأهل الحكمة، ونحو ذلك، كما أن الغفلة في راعي الغنم والساكن في بلاد الأعراب، وكثرة مجالسة النساء والفدادين(١)، ونحو ذلك، وبعض زيادتها منح إلاهية، كالأرزاق يبسطها لمن يشاء، كعقول
(١) (الْفَدِيدُ) الصوت. وَقَدْ (فَدَّ) الرجلِ يفد بالكسر (فَدِيدًا) ورجلٌ (فَدَّادُ) بالفتح والتشديد أي شديد الصوت. وفي الحديث: «إِنَّ الْجَفَاءَ وَالْقَسْوَةَ فِي الْفَدَّادِينَ» وهم الذين تعلوا أصواتهم في حروثهم ومواشيهم. انتهى مختار الصحاح.