إنما يقول به عند عدم القرينة. ووجه ما اختاره ظاهر، وهو أن الاتصال يجعلها كالواحدة، والانفصال يجعلها كالأجانب، وإذا أشكل الحال، والتبس الانقطاع والاتصال - حصل الشك فوجب الوقف؛ لأنه قد ورد تارة راجعاً إلى الجميع، وتارة إلى الأخيرة خاصة.
  وثمرة الخلاف تظهر في آية القذف، وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ٤ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا}[النور ٤ - ٥]، فيرجع الاستثناء عند الأولين إلى الجميع؛ فيخرج عن الفسق، وتُقبل شهادته، وكان مقتضى كلامهم ارتفاع الجلد(١) أيضاً، لكنه صرف عنه الدليل الخارجي، وهو كون الجلد حق آدمي فلا يسقط بالتوبة، إنما يسقط بإسقاط المستحق، وذلك لا يقدح في الظهور.
  وعلى القول الثاني إنما يرجع(٢) إلى الجملة الأخيرة خاصة، بمعنى: أن التائب يخرج عن الفسق، والأولتان على حالهما: الجلد وعدم قبول الشهادة.
  هذا، وحيث وجدت قرينة بالعود إلى البعض أو إلى الكل انتفى الخلاف، كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ}[الفرقان ٦٨] إلى قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ} فإنه عائد إلى جميع ما تقدمه بلا خلاف. وقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً}[النساء ٩٢] إلى قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} فإنه عائد إلى الأخيرة، أي: إلى الدية دون الكفارة قطعاً.
  نعم، وذكر صاحب الفصول قسمة ذلك باعتبار العقل، وبيّن موضع الخلاف، فقال: والقسمة العقلية تقتضي ثماني صور:
  الأولى: الاتفاق في الاسم والحكم والنوع(٣) معاً، نحو: «أكرم ربيعة
(١) في (ج): «الحد».
(٢) أي: الاستثناء.
(٣) المراد بالنوع الأمر والنهي ومن جهة الخبر الاستثناء.