فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ... } الآية، وكانوا قد عرفوا ذلك حينما رأوا ما يحصل من الجن، أو أنهم كانوا قد عرفوا أنه من سكنها كانت هذه طبيعته.
  وهذا الاستفسار ليس فيه اعتراض على الله، وإنما فيه حث على السؤال ليحصل العلم، وفيه حث على المشاورة، فعلى كبير القوم أن يشاور المقربين إليه في أمورهم، وأما الله تعالى فليس في حاجة إلى ذلك، وإنما هو على سبيل التعليم، وسؤالهم هذا لأجل أن يبين لهم الحكمة في ذلك الخلق البشري، وأن هذا الخليفة سوف يكون مؤهلاً لحمل العلم {فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ٣٣} فظهرت حكمة الله من خلق آدم حين أنبأهم بالأسماء، وظهرت أهليته لحمل العلم، وانكشف أيضاً من هذا أمر إبليس وما كان يخبئ في قلبه من الكبر.
  وسمي خليفة لأنه قد خلف الجن عندما كان قد أسكنهم قبله.
  ومعنى قوله سبحانه: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} لماذا لم تخلق ملائكة في الأرض ليعبدوك ويسبحوك؟ {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٣٠} من الحكمة في خلقهم، ولله حكمة في كل ما خلق يختص بعلمها، ونحن لا نعلمها، وقد أظهر الله تعالى للملائكة بعض الحكمة في خلق آدم.
  {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ} المسميات(١)، {فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ٣١} فسألهم فلم يعلموا بها، وسأل آدم فأخبرهم بأسمائها.
  أو المراد بـ {عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ}: أنه أهله لأن يكون قابلاً للعلم والتعلم بخلاف الملائكة فإنما لكل ملك وظيفة يقوم بها ولا يتعداها، فبعضها وظيفته التسبيح وبعضها التحميد، وبعضها السجود، و .. إلخ، وليس عندهم إمكانية لغير ما كلفوا به.
(١) سؤال: ما الوجه في تذكير الضمير إذا كُنّ المسميات؟
الجواب: ذكّر الضمير لأن في المسميات عقلاء فغلَّبهم.