ما موقف أهل البيت عليهم السلام الزيدية من تفرق الأمة واختلافها؟

حجم الخط:

دور أهل البيت عليهم السلام في توضيح الحق

وأهل البيت عليهم السلام قد قاموا بدورهم في هذا المجال فإنهم نظروا منذ يومهم الأول في كل ما عند علماء أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من العلم والخلافات فيه فأصدروا القول الفاصل في الخلافات، وبينوا الحق في جميع علوم القرآن، فكتبوا في معارف التوحيد والعدل والوعد والوعيد والإمامة و..إلخ.
وكتبوا في علوم الاستنباط والاجتهاد وما يلحق بها، وكتبوا في علم الحديث والفقه والسير والتصوف والعرفان والتأريخ و...إلخ.
فبينوا في كل ذلك الحق وأيدوه بالحجج والبراهين، وفندوا أقوال كل من خالف الحق بالأدلة الواضحة، وكل ذلك قياماً منهم بحق الخلافة التي جعلها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إليهم في حديث الثقلين.
وقد كان من أبرز أعمالهم على طول التأريخ في هذا المجال أن فندوا ما جاءت به المعتزلة في علم الكلام من الأقوال الخارجة عن الحق، دون ما وافق الحق فلم يتعرضوا لإبطاله، بل أيدوه ونصروه.
وكذلك نظروا فيما جاء به أهل الحديث من الروايات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فردوا منها ما خرج عن الحق دون ما سواه، وهكذا نظروا في أصول الفقه الذي جاءت به المعتزلة والأشعرية فردوا باطلها، وأيدوا ما وافق الحق منها.
وألفوا في كل ذلك مؤلفات خارجة عن الحصر، يذكرون فيها مذاهب الناس على التفصيل، ويذكرون حجة كل قول، ثم يذكرون بعد ذلك الحق الذي يقوله أهل البيت عليهم السلام، ويدعمونه بالحجج الواضحة، ويردون على كل ما خالفه بالردود والحجج الواضحة.

[من ثمار العلم والحكمة للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]



دور أهل البيت الزيدية في توحد الأمة

توحد الأمة واجتماعها مما نادى به الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله الأمين صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال تعالى: {﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾} [آل عمران:103]، وقال: {﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ 105﴾}
[آل عمران]، بل إنه سمى الاختلاف كفرًا، فقال:{﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾} [البقرة:253]، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:«((لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض)) » فهذه الدعوة هي دعوة الله التي يجب على جميع المسلمين الاستجابة لها، وأئمة أهل البيت عليهم السلام أحرص الناس على اجتماع الكلمة ولمِّ الشمل، وأكبر خطوة لهم في هذا المجال هي أن يتمسكوا بالمنهج الصحيح الذي قامت عليه الدلالة القاطعة، وأن يصونوه من الزيغ والتحريف، وأن يحثوا الناس على تعلمه وأحياءه حتى يحفظوه لمن أراده وبحث عنه من الأمة في هذا الجيل والأجيال القادمة، وهم في هذا المجال السباقون الذين لا يمكن أن يلحق بهم أحد، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «((إن عند كل بدعة يكاد بها الإسلام وليًا من أهل بيتي، يعلن الحق وينوره، ويرد كيد الكائدين، فاعتبروا يا أولي الأبصار وتوكلوا على الله))».
وعلماء الزيدية أعلى الله منارهم يؤلمهم تفرق الأمة، ويحزنهم ما آل إليه حالها في هذا الزمن من التفكك والتشرذم، وهم لا يألون جهدًا في سبيل لمِّ الكلمة وتوحيد الصف في كل فرصة تسنح لهم، وقد بثوا لواعجهم هذه وأطلقوا دعواتهم إلى ضرورة التوحد في أثناء كتاباتهم، وصدروها في مؤلفاتهم حسب ما أمكنهم، فليس لهم قنوات إعلامية توصل أفكارهم أو دولٌ تتبنى دعواتهم، ولا يكلف الله نفسًا إلى وسعها.
ومن الأمثلة على ذلك كلام الإمام الحجة المجدد للدين مجد الدين بن محمد بن منصور المؤيدي عليه السلام في تقديمه لكتاب المصابيح:
هذا وقد وقع علم قطعًا وقوع الافتراق في الدين، وأحاديث افتراق الأمة يصدقها الواقع، وقد قال تعالى:{﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ 118 إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾} [هود]، قال نجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم صلوات الله عليهم في تفسيره: قال الله: {﴿مُخْتَلِفِينَ﴾} ؛ لأن الاختلاف لا يزال أبدًا بين المحقين والمبطلين، وهو خبر من الله تعالى عما يكون، وأنهم لن يزالوا مختلفين فيما يستأنفون، فالاختلاف منهم وفيهم، ولذلك نسبه الله إليهم.
وقوله:{﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾} : يريد المؤمنين فإنهم في دينهم متآلفون غير مختلفين، وقوله تبارك وتعالى: {﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ }يقول سبحانه: للمكنة [أي: للتمكين] مما يجب به الثواب والعقاب من السيئة والحسنة، ولو لا خلقه لهم كذلك وعلى ما فطرهم من ذلك لما اختلفوا في شيء، ولما نزل عليهم أمر ولا نهي، ولما كان فيهم مسيء، ولا محسن، ولا كافر، ولا مؤمن ... إلخ كلام القاسم عليه السلام.
إلى أن قال:
"نعم، وقد صار كل فريق يدعي أن الحق معه، والنجاة لمن اتبعه:
وكل يدعي وصلًا لليلى
وليلى لا تقر لهم بوصل


إلا أن نابغة ممن لا مبالاة عندهم بالدين، ومخالفة العقل، والكتاب المبين، ذهبوا إلى تصويب جميع الناظرين، وأغلب هذه الفئة ليس لها مأرب إلا مساعدة أهل السياسة، والتأليف للمفترقين، ولقد جمعوا بين الضلالات، وقالوا بجميع الجهالات.
إلى أن قال:
فإذا أحطت علمًا بذلك، وعقلت عن الله وعن رسوله ما ألزمك في تلك المسالك، علمت أنه يتحتم عليك عرفان الحق واتباعه، وموالاة أهله والكون معهم، {﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ 119﴾} [التوبة:119]، ومفارقة الباطل وأتباعه، ومباينتهم ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾[المائدة:51].
إلى أن قال:
ولن تتمكن من معرفة الحق، وأهله إلا بالاعتماد على حجج الله الواضحة، وبراهينه البينة اللائحة، التي هدي الخلق بها إلى الحق، غير معرج على هوى ولا ملتفت إلى جدال، ولا مراء، ولا مبال بمذهب ولا محام عن منصب، {﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾}[النساء:135]، وقد سمعت الله ينعي على المتخذين أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، وما حكى من تبري بعضهم من بعض، ولعن بعضهم بعضًا، وتقطع الأسباب عندهم رؤية العذاب، ولا يروعنك احتدام الباطل وكثرة أهله، ولا يوحشنك اهتضام الحق وقلة حزبه، فإن ربك جل شأنه يقول:{﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ 103﴾} ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ 103﴾[يوسف:103]،{﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ 13﴾ } [سبأ:13].
إلى أن قال:
واعلم -كما أسلفت لك- أن الدعاوى مشتركة بين جميع الفرق، وكلهم يدعي أنه أولى بالحق، وأن سادته وكبراءه أولو الطاعة، وأهل السنة، والجماعة، ومن المعلوم أنه لا يقبل قول إلا ببرهان كما وضح به البيان من أدلة الألباب، ومحكم السنة والكتاب.
وقد علم الله تعالى وهو بكل شيء عليم أنا لم نبن ما أمرنا كله إلا على الإنصاف، والتسليم لحكم الرب الجليل، بمقتضى الدليل: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾[الروم:30].
ثم ختم كلامه مقسمًا عليه السلام:
وأقول: قسمًا بالله العلي الكبير، قسمًا يعلم صدقه العليم الخبير ألا غرض ولا هوى لنا غير النزول عند حكم الله، والوقوف على مقتضى أمره، وأنا لو علمنا الحق في جانب أقصى الخلق من عربي أو عجمي أو قرشي أو حبشي لقبلناه منه، وتقبلناه عنه، ولما أنفنا من اتباعه، ولكنا من أعوانه عليه وأتباعه، فليقل الناظر ما شاء ولا يراقب إلا ربه، ولا يخشى إلا ذنبه فالحكم الله والموعد القيامة، وإلى الله ترجع الأمور.
وأيضًا كلام تلميذه السيد العلامة الحجة الحسين بن يحيى رحمه الله عن تفرق الأمة، قال في مقدمة كتابه القول السديد:
ومن العجب الذي تحار فيه الأفكار: أن هذه الأمة تفرقت إلى فرق شتى، وتدعي كل فرقة أنها على الحق، وصارت معجبة بما ذهبت إليه، وتضلل كل فرقة تخالف ما ذهبت إليه، وتحاول الرد على مخالفيها بالمقاهرة، والمغالبة، والتعصب الذي لا يتبين به الحق من الضلال..
ثم قال رحمه الله:
وكان اللائق بجميع علماء هذه الأمة، وكل أرباب المذاهب التعاون على الحق على معرفته، والانقياد له، وعلى البحث والتفتيش عنه بجد، وإخلاص، وتفاهم، وتواضع، وأن يعرفوا، ويفهموا أن المشكلة عامة للجميع، وأن هذه الداهية العظمى للجميع، وأن لا مخلص منها إلا باتباع الحق والاعتناق له.
إلى أن قال:
فيا ليت الأمة كلها يبعثون لهم هيئة من العلماء، الأذكياء، الأزكياء، الحلماء، المبتعدين عن الدنيا، واتباع الهوى، يتدارسون موضوع الآخرة، ويبحثون عن السبيل التي تقودهم إلى الجنة، وتصرفهم عن النار، بجد وإخلاص، وتواضع وانقياد، وينظرون في كل المذاهب، إلى الإيجابيات والسلبيات، ويفرقون بين الدليل والشبهة، حتى تكون الأمة كلها على بصيرة، ويقين من أمرهم.
ثم ختم كلامه مقسمًا:
فوالله الذي لا إله إلا هو إنا لو نعرف أن الحق مع اليهود، أو النصارى، أو أي فرقة من فرق المسلمين لانقدنا له، واعتنقناه، وتواضعنا له؛ لأنا لا نريد إلا طريق النجاة، ونعلم أن الحق طريق النجاة، وليس لنا عطاء من أحد على هذا المذهب، بل ونحب أن يكون الحق مع بعض المذاهب السهلة ونعتنقها، فلم نعتنق هذا المذهب الذي ذهبنا إليه رغبة فيه، بل قهرتنا الأدلة اليقينية عليه.

القول السديد شرح منظومة هداية الرشيد، الحسين بن يحيى المطهر، صفحة ٢٠]

ما هي الطريق الصحيح لاجتماع شمل المسلمين؟ أليس هو في أن تتنازل كل طائفة عن بعض ما تتمسك به ليتم التلاقي في منطقة وسطى بين جميع الفرق؟

الجواب✍️:

أولًا: لو كان موضوع الخلاف قطعة أرض، أو نصيبًا من ورث فقد يحسن ما ذكرت مع خفاء الحق وضعف الحجج، لكن ما نحن فيه ليس من هذا فإن الدين دين الله المحكم الذي أقام هو عليه الدلالة ونصب الحجج والبراهين الحاسمة لكل خلاف، وقد أمر الناس أن يتبعوه كاملًا فليس لأحدٍ حقٌّ في أن يغير فيه أو يتنازل عن شيء منه، وكل ما يتطلبه الأمر لحل الخلاف هو أن ينصف الناس من أنفسهم ويغلِّبوا الحق على الهوى، ويقطعوا عن قلوبهم علائق الدنيا.
ثانيًا: المسائل المختلف فيها والتي سنذكرها لاحقًا لا يوجد فيها مناطق وسطى ولا تقبل أنصاف الحلول فهي إما حق أو باطل، وانظر -أيها السائل- وقارن بين من يقول: إن لله يدًا، وساقًا، وعينًا ...إلخ وبين من ينفي ذلك، وبين من يزعم أن الله سبحانه وتعالى يخلق المعاصي في البشر وينهاهم عنها ويعاقبهم عليها، وبين من ينزه الله عن ذلك، ماذا عساها تكون المنطقة الوسطى المفترضة لالتقاء الفريقين واجتماعهم، هل هي أن نثبت عينًا واحدة بدلًا من عينين، أو يدًا واحدة بدلًا عن يدين، أو أن نقر أن الله خلق بعض المعاصي دون بعض، تعالى الله عن كل ذلك علوًا كبيرًا، فهكذا هي المسائل المختلف عليها.
ما الذي يجعل الزيدية مطمئنين إلى أنهم على الحق المبين؟
الجواب✍️:
الذي يجعل الزيدية مطمئنين إلى أنهم أصابوا الحق هو أن كل المسلمين بجميع انتماءاتهم اليوم يشهدون لهم بذلك من حيث أرادوا ومن حيث لم يريدوا، وإن لم يكن صريحًا فضمنًا.
ومما يجعلهم مطمئنين إلى إصابة الحق عدة أمور منها:
1- الزيدية -والحمد لله- تدين الله بما أجمع على صحته المسلمون كما سيتضح، ووقفتْ على ذلك ولم تتعده كما تعداه غيرهم.
2- أن أصول دينهم إما حجة عقلية قاطعة، أو آية محكمة لا يتطرق إلى معناها احتمال، أو حديث متواتر لا ينازع في صحته أحد.
فجاءت عقائدهم لذلك صحيحة صريحة خالية من التكلف والاعتساف لا تحوم حولها الشبهات، ولا تنفر منها الطباع، وانظر إلى غيرهم تجد الفرق واضحًا حيث جعلوا من أصولهم عدم الوثوق بحكم العقل، واعتماد الأحاديث الآحادية التي لا تفيد في أحسن أحوالها إلا الظن في معرفة الله، وجعل المتشابه من القرآن حاكمًا على المحكم فخصصوا المحكم بالمتشابه، وتأولوه بما يوافقه، وكان العكس هو الصواب عملًا بقوله تعالى:{﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ 7﴾} [آل عمران]، فمعنى قول الراسخين في العلم: (كل من عند ربنا) أي: كل من المحكم والمتشابه، فلا يناقض بعضه بعضًا لقوله تعالى:{﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا 82﴾} [النساء]، لكن يجب أن نفهم المتشابه بما يوافق المحكم لأنه أم الكتاب، ومعنى (أم الكتاب) المرجع الذي يجب أن يرجع إليه عند الاختلاف كما تسمى مراجع الكتب بـ أمهات الكتب، وتسمى القرية الكبرى التي ترجع إليها بقية القرى بأم القرى، فالمحكم أم الكتاب؛ لأنه المرجع الذي يجب أن يُرجع إليه عند الاختلاف في تفسير آيات الكتاب.
3- لم تغلُو الزيدية في أهل البيت عليهم السلام، ولم تنسب إليهم صفات الخالق عز وجل، ولم تتخذهم أربابًا من دون الله يدخلون الجنة من والاهم و لو كان عدوًا لله مرتكبًا للفواحش والموبقات، ولم تدعِ الزيدية لأهل البيت أنهم يعلمون الغيب، أو أنهم أفضل من الملائكة والأنبياء صلوات الله عليهم؛ بل جعلتهم حيث جعلهم الله ورسوله هداة إلى دينه، حملة لشريعة نبيئه من بعده، من كان منهم عالمًا لكتاب الله، حافظًا لسنة رسول الله، عاملًا بهما، معليًا لشأنهما.
4- لم يظهر عند الزيدية لا في الأصول ولا في الفروع ما تستفحشه العقول، أو تمقته الطباع، فلا يوجد عندهم القول بجواز المتعة، ولا يوجد عندهم ضرب النفس وإراقة الدماء ندمًا وبكاءً على الحسين عليه السلام
ومما يلخص ما قلناه قول الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام في سياق التدليل على أحقية الزيدية: «المسلك الثالث: ما خصهم الله سبحانه من الخصائص الشريفة في العلم والورع والتقوى، فأما مذاهبهم في الإلهيات فمستقيم على قانون الحق في وجود الله تعالى وصفاته الذاتية، ويستقيمون على الطريقة الصحيحة في حكم الله تعالى، وهكذا القول في مضطرباتهم الفرعية الاجتهادية، وأنظارهم في المسائل الشرعية لا تخالف أصولهم فروعهم، ويعدلون عن المذاهب الغريبة، ويستقيمون على مألوف الشرع، لم يسقط أحد منهم في نظره عن القضايا العقلية ولا أخذ منهم بنظر غريب في المسائل الخلافية؛ بل هداهم الله تعالى إلى أوضح الطريق وأيمن الملل وأعدلها وأقومها على الحق وأوضحها». اهـ.
وكذا كلام الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير في قوله: «فانظر بعين الإنصاف إلى أئمة العترة الطاهرة ونجوم العلم الزاهرة كيف سلمت علومهم من كل شين، وخلصت من كل عيب، ولم يشب تصانيفهم شيء من علوم المتكلمين، ولا حط من قدر شيعتهم المتعبدين شيء من بدع المتصوفين، ولا ظهر في أدلتهم على مذاهبهم شيء من تكلف المتعصبين، ولا استمالتهم عن المنهاج السوي شبه المشبِّهين، تنزهوا عن غلو الإمامية الجهال، وعماية النواصب الضلَّال، وهفوات أهل الحديث والاعتزال، فهم النمرقة الوسطى، وسفينة النجاء، والعصمة من الأهواء بعد أبيهم المصطفى صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين». اهـ.
هذا والحافظ المذكور من أعظم من نُسبت إليه المخالفة لطريقة آبائه، حتى تداول كتبه ومؤلفاته ودرسوها في مدارسهم المخالفون لنا، فهي كشهادة الخصم لخصمه، والحمد لله.
فهرس المقالات

end_of_index

ختام المسار

هذه نبذة مختصرة عن أصول العقيدة الزيدية...