قســــم التوحيــــد
تعريـــف التوحيــــد
التوحيد: هو العلم بما لله جل جلاله من الوحدانية، ونفي الشريك والصاحبة والولد وبما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وبما يستحيل عليه تعالى، وبما يلحق بذلك ويتصل به، وقد أوجز أمير المؤمنين عليه السلام معنى التوحيد في عبارة قصيرة فقال عليه السلام: «((التوحيد أن لا تتوهمه))»، ومعنى هذه العبارة البليغة: أن الله تعالى لا يشابه شيئاً من مخلوقاته، فليس بجسم وليس بذي مكان، ولا يتصف بصفات المخلوقات، فلا تكييف ولا تمثيل.. إلخ.وعبارته عليه السلام قد أفادت جميع ذلك، وذلك أن التوهم هو التصور، والتصور لا يكون إلا لما كان جسماً أو عرضاً، فكل ما تصوره الإنسان فهو جسم أو عرض، فعرفنا من ذلك أن الله تعالى ليس بجسم، وأن صفاته ليست بأعراض كما هي الحال في المخلوقات، وأنه ليس بذي مكان ولا تحله الأعراض، لأن ذلك لا يكون إلا في الجسم الذي يتصور.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
مسائل التوحيد التي أجمع عليها أهل البيت الزيدية:
المسألة الأولى: أَنَّ لِهَذَا العَالَمِ صَانِعًا صَنَعَهُ ومُدَبِّـرًا دَبَّـرَهُالمسألة الثانية: أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَادِرٌ
المسألة الثالثة: أنَّ اللهَ تَعَالَى عَالِمٌ
المسألة الرابعة: أنَّ اللهَ تَعَالَى حَيٌّ
المسألة الخامسة: أنَّ اللهَ تَعَالَى سَمِيْعٌ بَصِيْرٌ
المسألة السادسة: أنَّ الله تَعَالَى قَدِيْمٌ
المسألة السابعة: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمُحْدَثَاتِ
المسألة الثامنة: أَنَّ اللهَ تَعَالَى غَنِيٌّ
المسألة التاسعة: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُرَى بِالأَبْصَارِ لَا فِي الدُّنْيَا ولَا فِي الآخِرَةِ
المسألة العاشرة: أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ لَا ثَانِيَ لَهُ فِي القِدَمِ والإِلهِيَةِ
الأدلة الإجمالية على مسائل التوحيد:
ما جاء في القرآن من نفي مشابهة الله تعالى لخلقه:1ـ قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ...} [الشورى:11].
2ـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ1 اللَّهُ الصَّمَدُ2 لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ3 وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ4} [الصمد].
3ـ {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا65} [مريم].
4ـ {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ82} [يس].
5ـ {﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾} [الزمر:46]،{﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ5﴾} [آل عمران]،{﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ59﴾ } [الأنعام].
6ـ{﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى52﴾} [مريم]،{﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا64﴾ }[مريم].
7ـ{ ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ }[البقرة:255].
8ـ{﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾} [الحديد:3].
9ـ {﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ1﴾} [التغابن].
10ـ {﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ...إلخ﴾} [الحشر:23].
11ـ {﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ }[الأنعام:14]، {﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾} [الأنعام:133].
12ـ {﴿لَنْ تَرَانِي﴾} [الأعراف:143]،{﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ103﴾ } [الأنعام]، {﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ4﴾ }[الشورى].
13ـ{﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ38﴾} [ق].
ما ذكرنا من الآيات يدل دلالة واضحة على:
ـ أن كل مخلوق خلقه الله تعالى لا يشابه الله تعالى بأي شبه، ولا يشترك معه تعالى في صفة من صفاته؛ لعموم النفي في: {﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾}، وفي:{﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ4﴾} ، وفي:{﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا65﴾} .
ودل ﴿أَحَدٌ﴾ على أن الله تعالى متوحد في ذاته وصفاته لا يشاركه فيها شريك، ولا يماثله فيها مثيل؛ إذ لو شاركه أحد من الخلائق في شيء من ذلك لما صح وصف الله تعالى بالأحد، ولما صدق عليه ذلك الاسم.
ـ ما تقدم في نفي المشابهة عموماً، ثم نفى عن نفسه أنه لا يشبه المخلوقات المتوالدة فقال:{﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ3﴾}، ونفى عن نفسه الحدوث فقال:{﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾} ، ونفى عن نفسه الانتهاء والعدم فقال: ﴿وَالْآخِرُ﴾.
ـ وأثبت لنفسه أنه مختص بالظهور لأهل سماواته وأهل أرضه، وذلك لما بث في الآفاق من آيات وحدانيته وعظمته وجلاله وعلمه وقدرته.
ـ ثم أثبت لنفسه أنه الباطن الذي لا يُدْرَك ببصر ولا بشم ولا بلمس ولا بسمع ولا بذوق, ولا يدرك بتصور.
ـ وذكر تعالى أنه لا يضل ويجهل كما تضل المخلوقات وتجهل، ولا ينسى كما تنسى المخلوقات، ولا يغفل ولا يفتر ولا ينام ولا يتعب كما تغفل وتفتر وتنام وتتعب الأجسام.
وأخبر عن نفسه أنه منزه عن صفة الحركة والسكون التي هي من صفات الأجسام، وذلك أن الأجسام تتوصل إلى حاجاتها ومنافعها بالحركات والسكون، فالحركة والسكون آلة تتوصل بها الخلائق إلى الزراعة والصناعة والأكل والشرب وتبادل المنافع وطلب الرزق في البر والبحر و..إلخ، أما الخالق العظيم فإنه في كل ما خلق وفيما يخلق لا يحتاج إلى حركة ولا سكون،{﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ82﴾ } [يس].
فالخلائق تتحرك لحاجتها إلى الحركة، والله تعالى غير محتاج للحركة فلا يصح ولا ينبغي أن نشبه الخالق بالمخلوق في الحركات والسكون.
ـ وأخبر جل جلاله بأنه يطعم المخلوقات ويرزقها لحاجتها إلى الطعام والرزق، وأخبر عن نفسه بأنه غني عن الطعام غير محتاج إليه.
ـ وأخبر تعالى عن مفارقته لخلقه بأنه يُدْرِكُ الأبصارَ المخلوقة، وأنها لا تدركه.
ـ وأخبر عن نفسه بأن المعلومات كلها لا تغيب عن علمه ولا يفوته منها شيء {﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ } [الأعراف:89].
أما المخلوق فلا يتسع علمه في الوقت الواحد لأكثر من معلوم واحد.
ـ للمخلوق آلتان يعمل بهما وهما اليدان، وله آلتان هما الرجلان يمشي بهما من مكان إلى مكان، وبهما يكر ويفر ويمشي ويجري، وله أليتان وفخذان يجلس عليهما، وله آلتان للبصر، وآلتان للسمع، وله منخران يدرك بهما الروائح، وله حاسة يدرك بها الملموسات، وآلة يدرك بها المطعومات، وعن طريق هذه الحواس يكتسب المخلوق المعلومات، وللمخلوق طرق أخرى لاكتساب المعلومات وهي: التجارب، والاستقراء، وقياس الأمور بعضها على بعض، والحدس، والوجدان، و.. إلخ. والعقل آلة حاكمة.
أما العلي الأعلى تبارك وتعالى فلا يحتاج إلى آلة يتوصل بها إلى ما يشاء على الإطلاق.
فلا يحتاج إلى المشي، ولا يحتاج يدين وساعدين وعضدين وعضلات وأصابع ومفاصل ليتوصل بذلك إلى أعمال اليدين، {﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ82﴾ }[يس]، ولا يحتاج إلى آلة بصر، وآلة سمع، وآلة شم، وآلة ذوق، وآلة مس، ولا يحتاج إلى تجربة، ولا استقراء، ولا قياس، ولا حدس، ولا آلة كلام، ولا آلة تنفس، ولا آلة هضم، ولا آلة تناسل، ولا آلة يجلس عليها، تعالى تقدس عن الحاجة للآلات.
ـ والإنسان يتخذ السرير ليرتفع فوقه عن أوساخ الأرض وترابها وحشراتها، وتعالى الله وتقدس عن الحاجة إلى ما يرفعه ويبعده عن الأقذار والأوساخ وأذى الهوام والحشرات.
ـ ووصف الله تعالى نفسه بالملك القدوس السلام، ومعنى القدوس: أنه المنزه عن كل نقص، وعن كل سوء، وعن كل قبيح، ومعنى السلام أنه السالم من كل عيب ونقص وقبح، فليس بمحتاج إلى آلة ولا إلى غير آلة؛ لأنه لا يحتاج إلى الآلة إلا من كان ناقصاً في ذاته.
فمن الجهل الكبير أن نشبه الله تعالى بالإنسان في الجسم والأعضاء والحواس والكلام والضحك والحركة والسكون والمشي والهرولة و...إلخ.
ـ وقد قال تعالى: {﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا110﴾} [مريم]، فالذي يصور الله تعالى بصورة الإنسان تماماً قد أحاط وهمه وتخيله بمعرفة الله تمام المعرفة.
ـ وبعد، فإن الإنسان وسائر الأجسام الموجودة في الكون دلائل دالة على أن لها خالقاً خلقها، ومصوراً صورها، ومبدعاً ابتدعها:
وفي كل شيء له آية
تدل على أنه الواحد
فلو أن الله تعالى على شكل إنسان كما يقوله الجاهلون لكان -جل وعلا- آية في نفسه تدل على خالق خلقه، ومصور صوره، ومبدع ابتدعه.
فمن هنا عرفنا أن الله تعالى ليس له جسم ولا صورة؛ لأن الأجسام تدل دلالة ذاتية على أنها مُحْدَثَة، وأن لها مُحْدِثاً أحدثها، وخالقاً خلقها.
وهذه الدلالة دلالة ذاتية لا تفارق الجسم ولا تنفك عنه فسبحان الخالق الذي تقدس عن صفات المخلوق، وتعالى ربنا العظيم عن صفات المربوب الضعيف، وتقدس الغني عن مشابهة الفقير المحتاج، وتعالى عن مجانسة العاجزين والجاهلين، والحمد لله رب العالمين.
[من ثمار العلم والحكمة للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
بحث خاص في الرؤية
أن الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرةوالله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ وذلك لأنه جل وعلا ليس من الأجناس التي يصح أن ترى.
ومن الأدلة القطعية على نفي الرؤية:
1- أن الرؤية لا تقع إلا على جسم، وقد ثبت أن الأجسام محدثة؛ لما فيها من دلائل الحدوث، التي هي الأعراض المحدثة: كالتركيب والتشكيل والألوان والحركة والسكون و..إلخ.
وهذه الطبائع تشترك فيها جميع الأجسام، والعقل يقضي قضاءً لا شك فيه ولا ريب أن الرؤية لا تقع إلا على ما كان متصفاً بتلك الصفات، فكل ما وقع عليه البصر لا بد أن يكون على شكل من الأشكال: إما الطول، وإما القصر، أو التربيع، أو التثليث، أو التدوير، أو... إلخ.
ولا بد أن يكون له لون من الألوان يتصف به، ولا بد أيضاً من أن يكون متحركاً أو ساكناً، وقد ثبت أن هذه الصفات محدثة، وثبت أيضاً أنها تلازم الأجسام ولا تنفك عنها، ومن هنا كانت الأجسام كلها محدثة، لذا قلنا إن الله تعالى لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، لأنه لو رُئي لكان جسماً، ولو كان جسماً لكان محدثاً، تعالى الله عن ذلك،{﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ...﴾ } [الحديد:3].
2- لو صح أن الله تعالى يُرى لكان في جهة من الجهات ومكان من الأمكنة، لأن الرؤية لا تصح ولا تقع إلى على ما كان في مكان أو جهة، والله تعالى ليس في مكان ولا في جهة؛ إذ هو سبحانه وتعالى خالق الأمكنة والجهات، فهو غني عنها، فقد كان الله تعالى ولا شيء.
الآيات الدالة على نفي الرؤية
وبعد، فإن لنا أدلة سمعية تدل على نفي الرؤية غير ما تقدم من دلالة العقل منها قوله تعالى:{﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ103﴾} [الأنعام]، فنفى الله عز وعلا في هذه الآية أن تدركه الأبصار نفياً عاماً لا يختص بوقت دون وقت، أو بمكان دون مكان، أو بحالة دون حالة.
قالوا: الإدراك هو اللحوق، يقال: أدركت زيداً إذا لحقته، فلا يكون المعنى حينئذ نفي رؤية الله تعالى، بل نفي اللحوق له عز وجل.
قلنا: إذا أضيف الإدراك إلى البصر فلا يكون إلا بمعنى الرؤية، فإذا قلت أدركه بصري فمعناه رأيته، وعلى ذلك أئمة اللغة، وانظر في القواميس اللغوية تجد تصديق ما ذكرنا.
وللإدراك معانٍ أخر منها البلوغ يقال: أدرك الغلام إذا بلغ، ومنها النضج يقال: أدركت الثمرة إذا نضجت وأينعت، غير أن الإدراك إذا قرن بالبصر فلا يفيد إلا الرؤية بالبصر كما تقدم.
الجواب على دعوى تخصيص هذه الآية
قد يقول قائل أهل السنة إن قوله تعالى: {﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ103﴾ }[الأنعام]، عام مخصوص بقوله تعالى: {﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ22 إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ23﴾ }[القيامة]، وحينئذ فلا مناقضه بين الآيتين ولا مخالفة.
والجواب من وجوه✍️:
1- أن الله تعالى تمدح في الآية الأولى بأن الأبصار لا تدركه، ولا يتم المدح بل لا يكون مدحاً و ثناءً إلا إذا كان ذلك على سبيل الاستغراق والشمول لأوقات الدنيا والآخرة، وذلك لأن الجن وكثيراً من المخلوقات لا تدرك بالأبصار في الدنيا، ولا شك أنه لا مدح في ذلك ولا ثناء.
2- لا يكون المدح ولا يتم إلا إذا كانت الرؤية لله مستحيلة وغير ممكنة، أما إذا كانت لمانع غير الاستحالة فلا يصح التمدح، وهذا واضح.
التخصيص هنا لا يصح ولا يجوز، وذلك:
1- لأن بين نزول الآيتين فترة طويلة، فإحدى الآيتين في سورة الأنعام والأخرى في سورة القيامة، كما ذلك محقق في أصول الفقه.
2️⃣ {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام:103]، خبر من الله تعالى يجب اعتقاد معناه والإيمان به عند نزوله بلا خلاف، والمعنى كما ترى عام، فلو كانت مخصصة لكان اعتقاد معناها جهلاً، ويكون الله تعالى حين نزولها قد أمر باعتقاد الجهل والباطل، وأمر بالإيمان به، ومثل ذلك لا يجوز على الله، ولا ينبغي لمسلم نسبته إليه جل وعلا.
3️⃣ قال الكثير من أهل الأصول: إن التخصيص لا يكون إلا في الأوامر والنواهي دون الخبر، والآية المذكورة خبر.
الجواب على دعوى النسخ لهذه الآية
فإن قيل: يحمل ذلك على النسخ.
قلنا: النسخ أبعد، وذلك لأن النسخ لا يكون إلا في الأحكام المتعلقة بمصالح العباد، دون الأحكام المتعلقة بصفات الله تعالى وأسمائه وما يلحق بذلك، والدليل على ما قلنا أن مصالح العباد تختلف بحسب اختلاف الأحوال والأوقات؛ فتختلف الأحكام تبعاً لاختلاف الأحوال والأوقات، ألا ترى أن الله تعالى كلف المؤمنين في أول الأمر بأن يصبر الواحد منهم في القتال لعشرين من المشركين، وقد كان المسلمون حين هذا التكليف قلة قليلة يحتاج مثلهم إلى صبر عظيم، وحماس شديد، وهمة عالية، وتوطين الأنفس على التفاني والاستماتة في سبيل دينهم وعقيدتهم، وكانت حالتهم في ذلك الوقت لا تسمح لهم بالتراخي والكسل، ولو لم يعدوا أنفسهم هذا الإعداد، ويوطنوها هذا التوطين لألتهمهم المشركون، واستأصلوهم تماماً.
فلما قوي الإسلام، وكثر أتباعه وأنصاره، خفف الله عنهم هذا التكليف، فأمرهم بثبات الواحد لاثنين، وذلك لأن الحالة لا تستدعي أكثر من ذلك.
وهكذا سبيل سائر الأحكام المتعلقة بمصالح العباد، أما الأحكام المتعلقة بأسماء الله تعالى وصفاته وما يلحق بها فلا تتغير من وقت لوقت ومن حالة لحالة، فلا يجوز أن تستحيل رؤيته في وقت ثم تصح في وقت آخر، ولا يجوز أن تختلف قدرته من وقت لوقت و.. إلخ.
وذلك لأن صفاته تعالى ذاتية، وصفات الذات لا تتغير على الإطلاق.
فلما تمدح تعالى وأثنى على نفسه بأن الأبصار لا تدركه علمنا أنه تعالى متصف بهذه الصفة، ومختص بها، لا يشاركه فيها مشارك، وصفات الذات لا تتغير.
4- قد يقول قائل أهل اللغة: نظرت إلى الشيء ولم أره، ونظرت إلى الهلال ولم أره، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:198]، وبناء على ذلك فلا يدل قوله تعالى:{﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾} [القيامة:23]، على رؤية الله تعالى، فلا تخصيص.
5- لفظة النظر لفظة مشتركة بين معان، منها الرؤية، ومنها الانتظار، ومنها الرحمة وقد سبق ذكر ذلك.
فإن قيل: هاهنا قرينة على تعيين المراد من المعاني وهو تعدية النظر بـ(إلى)، فإنه إذا عدّي بها لا يكون إلا بمعنى رؤية العين.
قلنا: قد جاءت تعديته بـ(إلى) في الانتظار في قوله تعالى: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [القيامة:24]، وجاءت تعديته بـ(إلى) في الرحمة في قوله تعالى: {... وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ...} [آل عمران:77]، فقد عدّي النظر هنا بـ(إلى)، وليس بمعنى الرؤية.
6- وكل هذا بالإضافة إلى الأدلة التي سلفت على أن الله تعالى ليس بجسم، فإنها تدل على أن الله تعالى لا يرى، وذلك أن الرؤية لا تصح إلا للأجسام، والله تعالى ليس بجسم.
لماذا طلب موسى الرؤية؟
وقوله عزَّ من قائل في الجواب على موسى حين قال: {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي}[الأعراف:143]، فنفى سبحانه الرؤية على العموم، والسبب في طلب موسى للرؤية أن بعض سفهاء بني إسرائيل ألحوا على موسى عليه السلام في طلب رؤية الله تعالى جهرة، وتماماً كما حكى الله سبحانه ذلك عن بني إسرائيل في قوله: {فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ...} [النساء:153].فبسبب ذلك الطلب والإلحاح سأل موسى الرؤية، وإنما أراد بسؤاله الرؤية إقناع الملحين عليه بالجواب من عند الله، ولم يسألها لنفسه، ودليل ذلك قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا..} [الأعراف:155].
فأفادت هذه الآية أن طلب الرؤية قد كان من فعل السفهاء، لا من فعله صلوات الله عليه.
فإن قيل: إذا كان الأمر كذلك فلماذا أصابته الصاعقة معهم؟
ولماذا تاب بعد الإفاقة كما حكى الله تعالى ذلك في قوله:{﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ... الآية﴾} [المائدة:143]؟
قلنا: قد تحقق مما سبق أن سؤال الرؤية فعل السفهاء، وإنما موسى عليه السلام سفير وواسطة بينهم وبين الله عز وجل، وبناء على ذلك فإصابة الصاعقة لموسى عليه السلام قد كانت:-
1- إما لأنه طلب الرؤية من غير استئذان من الله في طلبها.
2-وإما لأن السفارة في مثل ذلك لا تجوز.
فكان الحقيق بموسى أن يتعامل معهم كما تعامل أولاً حين سألوه أن يجعل لهم آلهة، من غير أن يستجيب لهم إلى ما أرادوا من السؤال والطلب لرؤية الله، فكانت الاستجابة لهم معصية لما فيها من إيهام جواز الرؤية.
تفصيل لما في الآيات من الأدلة على نفي الرؤية
هذا، ومن المناسب بعد ذكر ما ذكرنا من الآيات في سؤال موسى الرؤية ذكر شيء من التفصيل عما دلت عليه الآيات من الأدلة على نفي الرؤية عن الله تعالى فنقول:
{﴿لَنْ تَرَانِي﴾} يفيد نفي الرؤية على جهة العموم والشمول لجميع الأوقات.
{﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ }دليل على أن مسألة الرؤية ذنب عظيم يساوي الشرك والكفر، بدليل أن الله تعالى لم ينزل هذا العذاب الذي هو عذاب الصواعق إلا على المكذبين بالرسل المتعنتين في كفرهم كقوم هود وصالح وشعيب عليهم السلام.
قوله: {﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ }دليل على أن مسألة الرؤية ذنب وعصيان عظيم.
{أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف:155]، دليل على أن سؤال الرؤية من أفعال السفهاء، ولا سفه في طلب الممكنات، إنما السفه في طلب المستحيلات، ألا ترى إلى إبراهيم عليه السلام كيف طلب ربه أن يريه كيف يحيي الموتى... إلخ، فلم يكن ذلك سفهاً.
قوله تعالى: {فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ.} [الأعراف:143]، تسبيح موسى عليه السلام لربه لما وقع عند الإفاقة من الصعقة دل على أن الله تعالى منزه عن الرؤية ومقدس عنها.
⚪ وقوله: {... تُبْتُ إِلَيْكَ...} يؤخذ من ذلك أن السؤال ذنب ومعصية تاب موسى عليه السلام منه.
⚪ قال الله تعالى في الجواب على موسى حين قال: أتهلكنا بما فعل السفهاء منا... الآية: {﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ.. الآية﴾} [الأعراف:156]، فسمى الله تعالى ما نزل من الصاعقة على طالبي الرؤية عذاباً، فدل على أن سؤال الرؤية معصية عظيمة يستحق مرتكبها العذاب العظيم.
قول الأشعرية في الرؤية والجواب عليهم✍️:
وأما قولهم: إن الله تعالى يرى بلا كيف، فمعناه أنه تعالى يرى وهو غير متصف بأي صفة من الصفات، فتقع عليه تعالى رؤية الرائي يوم القيامة في حال لا يكون فيها الباري متحركاً، ولا ساكناً، ولا طويلاً، ولا قصيراً، ولا عريضاً، ولا له لون من الألوان، ولا يكون أمام الرائي ولا خلفه، ولا عن يمينه ولا عن شماله، ولا فوقه ولا تحته، ولا هو قريب ولا بعيد، ولا... إلخ. هكذا يريدون بقولهم: إنه تعالى يرى بلا كيف.
وإنما قالوا ذلك لينفوا عنه صفات الأجسام المحدثة، التي لو أثبتوها للزم أن يكون الله تعالى محدثاً، فجاءوا بما لا يمكن للعقل أن يصدقه وهؤلاء هم الأشعرية.
ولما كانت هذه المقالة متناقضة وغير معقولة، قال الرازي- وهو من أئمة الأشعرية-: المعنى أن الله تعالى يُعرف يوم القيامة معرفة ضرورية، بحيث لا يتطرق إليها الشك.
أما سائر أهل هذه المقالة فإنهم لما وقعوا في مضائق هذا المذهب، وعجزوا عن المجادلة عنه قالوا: الإيمان بالرؤية واجب، والسؤال عن الكيف بدعة، هذا آخر ما احتجوا به على مذهبهم.
وقال ضرار بن عمرو - من المجبرة - حين أعيته الحيل: إن الله تعالى يُرى يوم القيامة بحاسة سادسة، وإنما قال ذلك هرباً مما لزمهم من أن الرؤية لا تقع إلا على الأجسام و... إلخ، فاخترع لدفع ذلك هذا القول.
قول الحشوية والمجسمة والمشبهة في الرؤية والجواب عليهم✍️
أما الحشوية والمجسمة والمشبهة فأثبتوا رؤية الله تعالى كرؤية المرئيات من الأجسام، ولم يتحاشوا عما لزمهم، وقالوا: قد صح حديث ، واستدلوا بقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ 22 إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ 23}[القيامة].
والجواب على الآية والحديث هو✍️: أما الحديث فنقول:
1- إنه حديث آحادي مصادم لأدلة العقول، وما كان كذلك فيجب تأويله إن أمكن، وكان له وجه صحيح، وإلا فالواجب طرحه ورده.
2- الحديث من أخبار الآحاد، وعند تكامل شروط الصحة فغاية ما يفيد الظنُّ، والمطلوب فيما نحن فيه العلم، وقد قال تعالى: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}[يونس:36]، لذلك فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث، لأن المطلوب العلم وهو لا يفيد -إن صح -إلا الظن.
3- الحديث من رواية قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي، وقيس مطعون في عدالته، فقالوا: إنه كان يرى رأي الخوارج، ويبغض علياً عليه السلام، بالإضافة إلى أنه روي أنه خولط في آخر عمره، وقبل الاختلاط كان متولياً لبني أمية ومعيناً لهم على أمرهم.
هذا، مع أنه يمكن تفسير الحديث وتأويله على فرض صحته بما يوافق الأدلة الأخرى فنقول: معنى الحديث: «ستعلمون ربكم.... إلخ،» وذلك لأن الرؤية تستعمل في لغة العرب بمعنى العلم استعمالاً كثيراً، من ذلك قوله تعالى: {َلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ} [البقرة:246]، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} [البقرة:258]، {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ.. الآية} [الفيل:1]، فالرؤية بمعنى العلم في هذه الآيات، ونحوها في القرآن كثير.
وأما الآية فالجواب هو✍️: أن النظر كما يستعمل في رؤية العين يستعمل بمعنى الانتظار كقوله تعالى: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل:35]، أي: منتظرة، {﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾} [الحديد:13]، أي: انتظرونا،{ ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾} [البقرة:104]، أي: انتظرنا.
قالوا: النظر إذا كان متعدياً بـ(إلى) فلا يكون إلا بمعنى رؤية العين.
قلنا: ليس الأمر كذلك، فقد جاء النظر في القرآن متعدياً بـ(إلى) مع أنه لا يراد به نظر العين، وذلك في قوله تعالى: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ} [آل عمران:77]، فإن المعنى هنا ليس رؤية العين، بل المراد الرحمة، أي: لا يرحمهم.
وفي قوله تعالى: {﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ17 وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ 18﴾}[الغاشية]، ليس المقصود نظر العين، فإن المعلوم أن المشركين كانوا بصراء ينظرون بأعينهم إلى الإبل والسماء والأرض، وإنما المقصود بالنظر التفكر والتدبر والاعتبار، وحينئذ فلا ينبغي الاستدلال بالآية على رؤية الله تعالى، وذلك لكثرة المعاني التي تحملها كلمة النظر، فإنّ كثرة معاني الكلمة مما يوقع في اختلاط المعنى المقصود واشتباهه والتباسه، وقد سمى الله تعالى ما كان كذلك متشابهاً؛ لما فيه من اشتباه المعاني بعضها ببعض واختلاطها واختلافها.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
الرؤية المذكورة في المناجاة التي في صحيفة زين العابدين عليه السلام
هذا، وأما ما في صحيفة الإمام زين العابدين: «(ولا تحرمنا رؤيتك) »فاعلم أن المناجاة الموجودة فيها ليست من صحيفة الإمام زين العابدين، والزيدية يروون دعاء الصحيفة وليس فيها تلك المناجاة التي في آخرها، أما بقية دعاء الصحيفة فالزيدية يروونه عن الإمام زين العابدين من دون زيادة ولا نقص.[من ثمار العلم والحكمة للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
الجواب على الآيات التي ظاهرها التشبيه
فإن قيل: إنه قد ذكر في القرآن أن له وجهاً وعيناً، وجنباً، ونحوها.فالجواب عليهم من وجوه✍️:
أما أولاً: فليس لهم في الآيات التي ذكر فيها الوجه، والعين ونحوها دليل على إثبات الجوارح لله حقيقة؛ لأنَّ الآيات لا يمكن حملها على ظاهرها لا عندنا ولا عندهم، وذلك أن قوله تعالى: {﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِيَ﴾} [طـه:39]، وقوله تعالى:{﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ } [القمر:14]، لو حملت على ظاهرها لزم أن موسى يصنع فوق عين الله، وأن السفينة تجري على عين الله، أو بسبب عينه، وهذا إخبار بخلاف الواقع وبما لا يفيد، وليس مقصوداً لا عندنا ولا عندهم، وكذا قوله تعالى: {﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى19 إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى20﴾ }[الليل]، وقوله تعالى:{﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ } [الرحمن:27]، وقوله تعالى: {﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾} [القصص:88]، فإنها لو حملت على ظاهرها لزم أن العبادة للوجه فقط، وأنها تعدم ذاته ولا يبقى إلا الوجه، وكذلك قوله تعالى: {﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾} [الزمر:56]، لو حملت على ظاهرها لزم أن الكافر فرط في جنبه إما أن يكون جَرَحهُ أو خَزَقَهُ أو كسر بعض عظامه وهذا لم يقل به أحد لا منَّا ولا منهم، وكذا قوله تعالى: {﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾} [يـس:71]، لو حملت على ظاهرها لزم أن يكون لله أيد في فروج النياق والبقر والنعاج والمعز وهذا خلاف الواقع ومما لا يقول به أحد، وكذا قوله تعالى:{﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾} [الفتح:10]، لو حملت على ظاهرها لأحسوا بها وقت المبايعة وعلموا بها ويكون الإخبار بها إخبارٌ بما قد علم، والإخبار بالمعلوم عبث لا فائدة فيه، وإنما أراد أن العهد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عهد لله تعالى، وكذا قوله تعالى:{﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ } [المائدة:64]، إنما هو مشاكلة لقول اليهود فيما حكاه الله عنهم بقوله: {﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾} [المائدة:64]، وهم إنما كنوا بها عن البخل، والله إنما كنى بها عن الكرم رداً عليهم ولهذا قال بعدها: {﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ }[المائدة:64]، وليس بين البسط الحقيقي والإنفاق ارتباط وإنما هي كقوله تعالى: {﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾} [الإسراء:29]، إنما أراد لا تبخل ولا تسرف في الإنفاق ولا يمكن حملها على الحقيقة؛ لأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يغلها قبل وليس له أي داع إلى غلها حتى ينهى عنه، فإذا ثبت أن الآيات لا يمكن حملها على ظاهرها، لا في العين، والأعين، ولا في الوجه والجنب، وأنه لا بد من تأويلها عندنا وعندهم لم تثبت لهم بها حجة؛ لأنهم إنما يحتجون بظاهر الآيات، وقد امتنع حملها على ظاهرها عند الجميع فلم يبق إلا التأويل، وليس تأويلهم بأولى من تأويلنا، فتأويلنا تعضده حجج العقول، والقرآن، أما القرآن فقوله تعالى: {﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾} [الشورى:11]، ولو كان له وجه وأيدي وأعين وجنب حقيقة كان له مِثْل ولزم التشبيه، وأما حجج العقول فقد تقدمت.
[القول السديد للسيد العلامة الحجة الحسين بن يحيى المطهر رحمه الله]
الجواب على الآيات التي يستدل بها على إثبات المعاني
فإن قيل: إنه قد نطق القرآن بأنه رحيم، وأنه يغضب، وأنه يحب، أو يريد، ويكره، ويشاء، ويسخط، وأنه يؤذى، ونحو ذلك .قلنا له: إنَّ الله الذي قال: {َيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]، وقال: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُؤًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4]،{فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً}[البقرة:22]، ونحو ذلك، فهل ينقض الله كلامه بكلامه؟ ويكون القرآن متناقضاً؟ وقد قال الله سبحانه: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً}[النساء:82]، وقال: {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت:42]، ولا مخلص لنا من هذا إلا بالجمع بين الآيات، فنتأول المتشابه بما يتطابق به مع المحكم، ومع أدلة العقول فآيةُ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]، صريحةٌ محكمة لا يمكن تأويلها، وكذا ما ماثلها، ولا يمكن أن نكفر بالقرآن، ولا أن نؤمن بآية، ونكفر بأخرى.
فنتأول المحبّة والرضا بما يفعله المحب لمحبوبه، من نحو المدح والتشريف، والعطاء، والحكم له باستحقاق الثواب إن لم ينقلب، وهذا لمن يطيع الله ويشكره، ويعظمه حق تعظيمه.
والسخط، والغضب، والكراهة بالعكس وهو السب، واللعن، والإهانة، والحكم عليه بالعقاب، وإيصاله إليه، وهذا لمن يكفر، أو يتجرأ على معصية الله إن لم يتب.
لأن المطيع الشاكر أهل للمحبة، والرضى، والكافر والمجرم يستحقان الغضب والسخط، ويكونان من باب الكناية كما يقال: طويل العصا للرجل الطويل، وإن لم يكن له عصا ومغلول اليد للرجل البخيل وإن كانت يده مقطوعة.
وعَبَّرَ عما يفعله ذو الحنو والشفقة بالرحمة، فإرسالُه الرسل مبشرين، ومنذرين، وعدمُ معاجلة العاصي بالعقوبة، والدعاءُ للمجرمين، والكافرين إلى التوبة، ووعدُهم بقبولها، وإدخالُ التائبين الجنة وإن كانوا قد أجرموا غاية الإجرام وما احتوت عليه السنة والقرآن من المواعظ، والترغيب والترهيب، وضرب الأمثال غاية الرحمة، ويدل عليه قوله تعالى: {َمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[الأنبياء:107]، وقوله تعالى: {إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ} [يس:44]، ويكون من باب الكناية عبر بالرحمة عن لازمها.
هذا ومحبتُه، ومشيئتُه، وإرادته لأفعاله وأفعالِنا: علمُه باشتمال الفعل على الحكمة، والمصلحة، وبين المحبة والرحمة فرقٌ، فالرحمةُ للمطيع والعاصي في الدنيا، والمحبة للمطيع، وكذا الرحمة في الآخرة.
وكراهتُه لها علمُه، وحكمُه بقبحها، سواءً كان لذاتها، أو لكونها معصية له.
وعَبَّرَ عن فعل ما يوجب الأذية عادة بالإيذاء نحو معصية الله، وسبه، وأذية أوليائه.
والحاصل أن محبته، ومشيئته، وإرادته للأفعال علمه باشتمال الفعل على الحكمة والمصلحة، سواءً كان الفعل منا، أو منه، ومحبتُه لنا فِعْلُ ما يفعله المحب لمحبوبه، وحكمه بأنه أهل لذلك.
ورحمتُه فِعْلُ ما يفعله ذو الحنو والشفقة مع علمه بأنه أهل لذلك.
وكراهتُه، وغضبُه، وسخطُه عكس ذلك،؛ لأنَّ أصحابنا اختلفوا في الإرادة على قولين، فلا يمكن أن نخرج عنها كما سيأتي في آخر الكتاب.
فمنهم من قال: هي فعله، ومنهم من قال: هي علمه باشتمال الفعل على الحكمة والمصلحة. والإرادة الحقيقية منتفية عند الجميع.
[القول السديد للسيد العلامة الحجة الحسين بن يحيى المطهر رحمه الله]
قســـم العــــدل
مسائل العدل التي أجمع عليها أهل البيت عليهم السلام الزيدية:
المسألة الأولى: أَنَّ اللهَ تَعَالَى عَدْلٌ حَكِيْمٌالمسألة الثانية: أَنَّ أَفْعَالَ العِبَادِ حَسَنَهَا وَقَبِيْحَهَا مِنْهُمْ لَا مِنَ اللهِ تَعَالَى
المسألة الثالثة: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُثِيْبُ أَحَدًا إِلَّا بِعَمَلِهِ، وَلَا يُعَذِّبُهُ إِلَّا بِذَنْبِهِ
المسألة الرابعة: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَقْضِي بِالْمَعَاصِي
المسألة الخامسة: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ أَحَدًا مِنْ عِبَادِهِ مَا لَا يُطِيْقُهُ
المسألة السادسة: أَنَّ جَمِيْعَ الأَمْرَاضِ وَالأَسْقَامِ وَالنَّقَآئِصِ مِنْ فِعْلِ اللهِ تَعَالَى، وأَنَّهَا حِكْمَةٌ وَصَوَابٌ
المسألة السابعة: أَنَّ الله لَا يُرِيْدُ شَيْئًا مِنْ مَعَاصِي العِبَادِ، ولَا يُحِبُّهَا ولَا يَرْضَاهَا
الأدلة الإجمالية على مسائل العدل:
أن أفعال العباد حسنها وقبيحها منهم لا من الله:العبد مختار في أفعاله يحدثها كيفما شاء على حسب إرادته وداعي نفسه، وهذا هو مذهب الزيدية والمعتزلة وغيرهم.
1- مذهب الجبر متصادم مع ما يجده كل عاقل من نفسه، ويلمسه بضرورة عقله، في تصرفاته، وأفعاله التي يحدثها على حسب مشيئته وإرادته، من غير أي شعور بأي دافع سوى إرادته ومشيئته، وأقوى الأدلة على الإطلاق ما يحصل عن طريق الوجدان، وذلك أن العقل يدرك ذلك بالمباشرة من غير واسطة فكر أو نظر.
ويعبر المتكلمون عن مثل ذلك بالمعرفة الضرورية، وهي التي تحصل بغير واسطة فكر أو نظر، كعلم الإنسان بأنه جائع، أو عاطش، أو صحيح، أو سقيم، أو خائف أو آمن، أو أعمى، أو بصير، أو مضطر، أو مختار و.. إلخ.
ومن هنا فلا يستطيع أهل الجبر أن يدفعوا الفرق بين حركة المرتعش الذي يرتعش من الحمّى، وبين حركة المرتعش الذي يرتعش باختياره من غير مرض.
2- من المعلوم الذي لا شك فيه أن أفعال كل عاقل صادرة منه على حسب إرادته وكراهته، وهذا بخلاف الطول والقصر، وبياض اللون وسواده، فإنه لا يتوقف على إرادة العبد ومشيئته.
3- ومن القرآن قوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40]. فدل تعالى بهذه الآية على أن الأعمال صادرة من العباد، وأنها صادرة عن مشيئتهم، ونحو ذلك في القرآن كثير، وهو مملوء بنحو: تعملون، تصنعون، تفعلون.
4- لو كان الأمر كما تقوله المجبرة للزم أن يسمى الباري عز وعلا كافراً وكاذباً وظالماً وسارقاًَ و...إلخ، لأنه سبحانه هو الذي فعل ذلك، وأراده، وشاءه، دون العبد فإنه منزه عن ذلك، وبريء منه، {﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ30﴾} [التوبة].
انظر إلى أين بلغ بهم الهوى؟ وإلى أين تمادى بهم الضلال والشقاء؟ ينسبون فعل القبائح والعظائم إلى الله تعالى، وينزهون أنفسهم عن فعلها، {﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً43﴾} [الإسراء].
5- ويلزم المجبرة بطلان الأوامر، والنواهي، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وذلك أن أمر من لا يستطيع الفعل والترك قبيح.
وعلى الجملة فهذا المذهب مذهب خرافي باطل، تَمُجُّهُ الفطرة، ويكذبه الوجدان والضرورة، وترده نصوص القرآن والسنة، ويتبرأُ منه العدل والحكمة، ولا يحتاج رده إلى أكثر من معرفته.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
شبه وردود عليها على مسائل العدل
قولهم: إن الله تعالى أعظم من أن يقع في ملكه ما لا يريد، وسبحان الذي لا يقع في ملكه إلا ما يريد، وقولهم: ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن، وقولهم: إن من توحيد الله نسبة جميع أفعال العباد إليه تعالى، وإن من ادّعى أنه فاعل لفعله فهو مشرك غير موحد، وما أشبه ذلك،
نقول : إنما هو من الأساليب والحيل الماكرة التي يروجونها على ضعاف العقول والبله.وليس في كل ذلك الذي ذكروا ما يتنافى مع عظمة الله وتنزيهه ووحدانيته فقد قال تعالى: {﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ205﴾} [البقرة] ولا شك أن الفساد في الدنيا كثير، وقال تعالى: {﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً27﴾} [النساء]، وقال تعالى: {﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ }[الزمر:7]. ولا شك أن الدنيا مشحونة بالكفر والكافرين.
قولهم: سبق في علم الله تعالى أن العاصي يفعل المعصية، فكيف يتمكن من تركها مع ذلك؟
قلنا في الجواب عليهم✍️: عِلْم الله تعالى لا تأثير له في حدوث فعل الطاعة والمعصية اتفاقاً بيننا وبين المجبرة، أما نحن فواضح، وأما المجبرة فإنهم يقولون إن أفعال العباد تحدث بقدرة الله، وبفعله لا بعلمه.فإن قالوا: إن عِلم الله تعالى يسوق القادر إلى الفعل، لا أنه هو المؤثر، بل المؤثر القدرة والعلم سائق.
قلنا: إذا كان الأمر كذلك فإنه يلزم على مذهبكم أن يكون الباري جل وعلا مجبرَاً في خلق أفعال عباده من الطاعات والمعاصي، لا اختيار له فيها، وكذا في جميع أفعاله، وذلك لسبق العلم، وأنتم لا تقولون بذلك.قولهم: لو خلق الله تعالى لعباده قدرة يتصرفون بها، ثم عصوا الله تعالى لكان عصيانهم منازعة لله تعالى في سلطانه، ومغالبة له جل وعلا، حيث نهاهم عن ذلك فعصوه، وخالفوه، وغالبوه فغلبوه، ويلزم حينئذ أن يكون الله تعالى مغلوباً، وذلك لا يجوز ولا يصح، هكذا يستدلون.
والجواب والله الموفق✍️: إنه ليس فيما ذكرتم منازعة، ولا مغالبة، وذلك أن الله تعالى بين للمكلفين مَحَابَّهُ من الأعمال وَمَكَارِهَه، ورغّبهم في طاعته، وحذرهم من معصيته، فمن أطاعه أدخله الجنة، ومن عصاه أدخله النار، ومكنهم من اختيار أي الطريقين، بما ركب فيهم من العقول والقدرة، فالعاصي لا يُعَدُّ حينئذ مغالباً لربه ولا منازعاً له في سلطانه، وما ذلك إلا كفعل عبد قال له سيده: لا أرضاك تأكل البر ولا أمنعك عنه، ولكن إن فعلت عاقبتك، فإن مخالفة العبد لسيده لا يعد مغالبة ولا منازعة لسيده، إذ أن المغالبة والمنازعة هي المقاومة بالعدد والعدّة ونحو ذلك، ولا يقال في حق العبد إنه لعصيانه غالب، ولا مغالب، وعلى هذا سلاطين البشر مع رعاياهم فإن عصيان الرعايا لا يعد مغالبة ولا منازعة، ولا يقال غالب ومغلوب إلا إذا عجز عن مجازاة العاصي وتأديبه، أما إذا أدب السلطان العاصي وألحق به جزاء عصيانه فلا يصح أن يقال إن العاصي غالب، ولا السلطان مغلوب.قولهم: إن الله تعالى مريد لجميع الطاعات وجميع المعاصي،وأنه ما من حركة أو سكون يقع في الكون إلا وهو حادث بقدرته ومشيئته وإرادته، وأن جميع الفواحش والمعاصي بإرادته وقدرته، وأنه المنفرد بخلقها ومشيئتها دون عبيده.
وقالوا أيضًا: إن ما لم يحدث من الطاعات والمعاصي فإن الله تعالى لا يشاؤه ولا يريده، وجملة القول هو أنما وقع فالله يريده، وأن ما لم يقع فلا يريده، ثم إذا وقع فإن الله يريده.قلنا: إذا كان الله تعالى وتقدس هو الذي يتولى خلق الكفر والضلال والفواحش والمآثم والجرائم والطاعات والمعاصي عند المجبرة، فما بالهم يعترضون على الله وعلى مشيئته وقضائه وقدره؟
وذلك أنهم يستنكرون مذاهب الشيعة، والمعتزلة، ويضللونهم، ويكفرونهم، مع أنهم يعتقدون ويؤمنون بأن الله تعالى هو الذي خلقها وأوجدها، وأرادها وشاءها، وقضاها وقدرها.
وهذا المذهب في الواقع هو من مذاهب المشركين، بدليل قوله تعالى فيما حكاه عنهم: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا... إلى قوله تعالى: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ148} [الأنعام].
وقد تسربت هذه العقيدة الشركية إلى دين المسلمين، وحظيت بدعم سلاطين بني أمية منذ ولادتها في عهد معاوية بن أبي سفيان، وهو أول من رَوَّجَ لها.
والسبب في ترويج معاوية لهذا المذهب ثم سائر بني أمية هو ما فيه من تثبيت الخلافة وتقويتها، حيث إن الناس إذا اعتقدوا هذا المذهب فإنهم سيرضون بما شاءه الله وأراده وقدره وقضاه وصنعه من ولاية معاوية.
فألبس معاوية بهذا المذهب سلطانه ثوب الخلافة الشرعية، وسربلها سربال الدين، وجعلها بذلك مرفوعة الجبين، وهذا في حين أن أدلة الكتاب ناطقة ببطلان هذا المذهب، من ذلك قوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ} [غافر:31]،
{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205]
{وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7]،
{كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً38} [الإسراء]،
{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].
وقال سبحانه وتعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ56} [الذاريات] فبين الله تعالى في هذه الآية مراده من خلقه للجن والإنس، وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ107} [الأنبياء] وفي هذه الآية بيّن تعالى ما هو المراد من إرسال الرسل.
قولهم: إن الله لا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد؛ لكنه تعالى يريد ذلك ويشاؤه.
قلنا: لا يصح اجتماع ذلك لما فيه من المنافاة.ألا ترى لو أن رجلاً قال لأولاده: لا أرضى لكم أكل القات ولا أحبه، ولكني أريد لكم أكله وأشاؤه، كيف يكون موقف السامعين من ذلك الرجل وكلامه؟ لاشك أنهم يحكمون بجهل الرجل وتناقضه وتناقض كلامه إن لم يحكموا بجنونه وحمقه.
فإن قالوا: إن الصائم قد يحب الأكل في نهار رمضان لما فيه من الجوع، ولكنه لا يريده لما فيه من معصية الله تعالى، وحينئذ فلا منافاة ولا مناقضة.
قلنا: المؤمن الصائم لا يحب الأكل في نهار رمضان لما فيه من معصية الله تعالى، بل ينفر عن ذلك أشد النفور ويكرهه، بل يكره من يفعله ويشمئز منه، ولا يريده ولا يشاؤه كل ذلك لما في الأكل من معصية الله.[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
تفسير الآيات التي يستدل بها على الجبر
تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله
قد تقول المجبرة إن في هذه الكلمة«(لا حول ولا قوة إلا بالله)» ما يدل على مذهب الجبر، وفي الواقع أنه لا دليل فيها على مذهبهم الخبيث.والمعنى فيها: أن القوة لله جميعاً، ليس للإنسان قوة ولا حول ولا قدرة، فقدرة الإنسان وقوته من الله، فهو تعالى الواهب لذلك، والخالق له، وهو تعالى الذي يمكن عباده من مزاولة الأعمال، وفعل ما يريدون، فسهل لهم فعل ذلك، ويسره، ومكنهم من الوصول إليه، بما أعطاهم من آلة المشي التي هي الرجلان، وآلة الفعل التي هي اليدان، ومهد لهم الأرض ليسيروا عليها، ويتقلبوا عليها، وجعلها فجاجاً سبلاً، وسخر لهم أسباب المعيشة، فَدحى تعالى الأرض بالتراب، وسخر لهم السحاب والأمطار، وإنبات الأرض، وإخراج الثمرات والحبوب، وسخر لهم الرياح، وسخر لهم الشمس والقمر لإصلاح الثمر و.. إلخ، وكل ذلك ليس لهم فيه حول ولا قوة.
وأرسل إليهم الرسل، وأنزل الكتب، وأعطاهم العقول التي تميز بين الحق والباطل، وبين الشكر والكفر، وبين الطيبات والخبائث و... إلخ.
فالإنسان لا حول له ولا قوة في ترك المعاصي، ولولا قوة الله وحوله بما أعطا الإنسان من العقل، ثم بإرسال الرسل، وإنزال الكتب المشتملة على تفصيل الطيبات والخبائث والفواحش، وعلى العبر والأمثال، والوعد، والوعيد، والثواب، والنكال، والنعيم، والجحيم... إلخ، لاسترسل الإنسان في ما تشتهي نفسه، لا يرده عن ذلك رادّ، ولا تحجزه من نفسه قوة، ولا يقف عند حد، ولا... إلخ، وكان كسائر الحيوانات، وتماماً كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ... الآية﴾ [النساء: 83]، {﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً...﴾} الآية [النور: 21].
قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ...
قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112]، دليل على أن الله يشاء فعل الشياطين.والجواب✍️: أن معنى الآية أن الله تعالى لو شاء لأماتهم أو حبسهم عن فعل المعاصي، لكنه تعالى خلاهم وشأنهم، ووكلهم إلى اختيارهم، ليتم التكليف الذي يترتب عليه الجزاء، فلم يمنعهم من فعل الكفر والمعاصي، والجعل يراد به التخلية، والتخلية من الله تعالى، لذلك أسند الفعل إليه، وهذا من مجاز الإسناد الذي يسمى المجاز العقلي عند أهل البلاغة.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
تفسير قوله تعالى: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله... الآية
تفسير قوله تعالى: {﴿وما تشاؤون إلا أن يشاء الله... الآية﴾}هذه الآية في المعنى كالآية السابقة، فمشيئة الإنسان محدودة، لا تستطيع الوصول إلى مشيئة الإيمان الصحيح، والعقائد الحقة، والعمل بشرائع الإسلام الموصلة إلى السعادة الأبدية في جنات النعيم، وإلى السلامة من العذاب الأليم، ولولا مشيئة الله تعالى لإرسال الرسل وإنزال الكتب لهداية الخلق إلى ذلك لحار الناس وضلّوا وهلكوا.
فمشيئة الإنسان للهدى متوقفة على مشيئة الله لإرسال الرسل، وإنزال الكتب وبيان الدين والشرائع، فأهل مكة وأهل المدينة قبل أن يُبعث إليهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن لهم قوة ولا قدرة على مشيئة الإسلام والهدى، فلما شاء الله تعالى أن يرسل إليهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وينزل إليهم الهدى استطاعوا حينئذ أن يشاءوا الهدى والعمل بشرائع الإسلام.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
تفسير قوله تعالى: يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ
تفسير قوله تعالى:{يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}هو: أن الله تعالى يحكم بضلال من يشاء ويحكم بهدى من يشاء، وهو جل وعلا لا يحكم بضلال المكلف إلا بعد أن يُبَيِّن له الحجة ويوضح له المحجة فإن أعرض بعد أن يستوضح ذلك ويتبينه ويستيقنه، حكم الله تعالى عليه حينئذ بأنه ضال هالك، وتماماً كما قال سبحانه: {﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُون﴾} [التوبة:115], {﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ }[الأنفال:42].
وقد أخبر الله تعالى على سبيل الحصر والقصر عما ذكرنا في قوله تعالى في سورة البقرة: {﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ26 الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ }[البقرة:26- 27]، فأخبر تعالى أن الضلال محصور ومقصور على الفاسق المتجاوز للحدود الذي ينقض عهد الله من بعد أن التزمه.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾
قوله تعالى: {﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾} [الصافات]ومن شبه المجبرة التي يستدلون بها على مذهب الجبر قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ96} [الصافات] أي خلقكم وعملكم، هكذا قالوا.
قلنا في الرد عليهم: قد جاءت هذه الآية تستنكر على المشركين عبادة الأصنام، فقال تعالى: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ95 وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ96} [الصافات:] فاستنكر الله تعالى عليهم عبادة الحجارة التي ينحتونها بأيديهم ويصورونها أصناماًَ، مع أنه جل وعلا هو الذي خلقهم، وخلق الأصنام المنحوتة من الحجار، و{مَا} هي الموصولة وليست مصدرية.
[
قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
قوله تعالى: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض..
قوله تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض..} والجواب عليهمومما يستدلون به أيضاً قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]، فقالوا: إن الآية دليل على أن الله تعالى لم يشأ إيمان الناس جميعاً، وأنه لو شاء ذلك لآمنوا.
فيؤخذ منها أنه تعالى يشاء عصيان العصاة وإيمان المؤمنين.
والجواب عليهم✍️: أن معنى الآية: أن الله تعالى لو شاء أن يرغم أهل الأرض على الإيمان لآمنوا، غير أنه تعالى لم يشأ ذلك؛ لما يلزم من بطلان التكليف والاختيار، وببطلان ذلك يبطل الثواب والعقاب، وذلك أن الثواب والعقاب مبنيان على الاستحقاق، ولا استحقاق مع عدم الاختيار، وهذا التفسير هو الذي يتمشى مع منطق الفطرة، ويتناسب مع الحكمة، مع أن آخر الآية يشهد لما ذكرنا، فإن قوله تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ99} [يونس] دليل على أن المعنى ولو شاء ربك أن يكره الناس على الإيمان لآمن من في الأرض أفأنت...إلخ.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
تفسير قوله تعالى: وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّه
تفسير قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّه}الإنسان لا قوة له ولا استطاعة إلى الاهتداء إلى سبيل السعادة الأبدية في جنات النعيم، ولولا هداية الله تعالى له إلى ذلك لضلّ وهلك في ضلاله، وقد ذكَّر الله تعالى عباده المؤمنين هذه النعمة التي هي نعمة الهدى ليشكروه فقال سبحانه: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا... الآية} [آل عمران: 103].
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
8- قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.قالوا: المعنى أن الله لا يدلهم على الهدى، ولا يدخلهم فيه، ولا يدعوهم إليه.
قلنا: المعلوم من ضرورة الدين أن الله تعالى قد دعا الكفار جميعاً وغيرهم إلى الإيمان به والتصديق برسله، وذلك بما أرسل إليهم من الرسل، وأنزل من الكتب، وقد قال تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17].
وقال سبحانه: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24]، وقال تعالى فيما يحكيه: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا...الآية} [الملك: 8- 9] إلى غير ذلك من الآيات.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ
9- قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [البقرة: 7]قالوا: معناها إن الله غطى على قلوب الكفار، ومنعها من وصول الإيمان إليها.
ونقول في الجواب زيادة على ما تقدم✍️: إن الله تعالى أمر الكفار ونهاهم، ولو كانت قلوبهم كما تقول المجبرة لم يأمرهم ولم ينههم، وذلك أن خطاب من لا يعقل نقيصة يجب تنزيهه عنها.
وقال بعض العدلية: إن الطبع والختم من الله تعالى هو أن يجعل تعالى في قلوب الكفار والفساق نكتة سوداء ليتميزوا بها للملائكة.
وهذا عكس المؤمن فإن الله تعالى يجعل في قلبه نكتة بيضاء.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: «(الإيمان يبدو لمظة كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة)».
وقد أجيب بأن أعمال الكفار والفساق أوضح من ذلك، مع أن الملائكة صلوات الله عليهم لا يرون ما وَارَاه اللباس من العورة، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم يغضون أبصارهم عند قضاء الحاجة.
وما روي عن علي عليه السلام فهو استعارة يراد بها التنوير والبصيرة.
نعم، الأولى في الطبع والختم أن يقال: إن الطبع والختم في نحو قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ...} [البقرة: 7] قد جاء على طريق الكناية التي هي أبلغ من التصريح، ويكون المعنى المراد حينئذ الإخبار عن الكفار بأنهم قد بلغوا في الغفلة والإعراض والتعنت وترك النظر والاستماع إلى آيات الله إلى الغاية والنهاية، وهذه الغاية والنهاية التي وصل إليها الكفار من الإعراض والغفلة و... إلخ، صورها الله لنا بأبلغ تصوير وأوضحه وأتمه، وذلك في ذكره للختم والطبع، حيث إن السامع لا يتصور الغفلة البالغة، والإعراض العظيم، والتعنت في أقصى غاياته، و... إلخ تمام التصور إلا في مختوم القلب ومطبوعه، الذي استحكم ختمه وطبعه، بحيث لا يتصور منه الفهم والإدراك.
وقد أخبر الله تعالى عن هذا المعنى الذي ذكرنا بأسلوب آخر في قوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ171} [البقرة] فشبه الله تعالى الكفار بالأنعام التي لا تسمع إلا مجرد الأصوات من غير فهم لما يقال لها، ثم أخبر تعالى عنهم بأنهم صم لا يسمعون، وعمي لا يبصرون، وبكم لا يتكلمون، وأخيراً قال: فهم لا يعقلون، وكل ذلك يراد به التصوير لما ذكرنا من شدة الإعراض والغفلة و.. إلخ.
ولم يرِد الباري تعالى أن يخبر بأنهم صم على الحقيقة، وعمي على الحقيقة، وبكم على الحقيقة، ولا يعقلون على الحقيقة، وذلك أن المعلوم أنهم كانوا بصراء ذوي أسماع، يرون آيات الله ويسمعونها، وكانوا ذوي ألسنة وفصاحة، وفي هذه الآية الأخيرة دليل على ما ذكرنا من تفسير آية الختم.
لِمَ أسند الختم والطبع إلى الله؟
فإن قيل: لم أسند الختم والطبع إلى الله؟
قلنا: إسناد ذلك إلى الله مما يزيد في قوة الكناية عن المعنى المراد الذي ذكرناه.
هذا، ومما يزيد في قوة المعنى الذي ذكرنا قوله تعالى في الكفار وإعراضهم عن سماع الآيات وعن النظر فيها: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ5} [فصلت].
فإن الكفار حين دعاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام، وكرر عليهم الدعاء، أرادوا أن يقنعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجواب مقنع وحاسم، لا يطمع وراءه في إيمانهم، ولا يكون له بعده رجاء في إسلامهم، فقالوا: «(قلوبنا مغطاة ومحجوبة بأكنة، فلا يصل إليها ما تدعونا إليه من دينك، وآذاننا مسدودة بالوقر فلا نسمع صوت دعوتك، وبيننا وبينك حجاب يحول بيننا وبين ما تدعوا إليه، فأنت وشأنك، فإنا مصرون على ما نحن عليه من الشرك، وعاملون أعماله، لا نفارق ذلك)».
ومما لا شك فيه أنهم لا يريدون الإخبار بأن قلوبهم مغطاة على الحقيقة، وأن آذانهم مسدودة لا تنفذ إليها الأصوات و... إلخ.
وعلى مثل ما ذكرنا من التفسير يفسر قوله تعالى: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7] ونحوه، وكل ذلك كناية عما ذكرنا من المعنى.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
قوله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْس
10- قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْس} [الأعراف:179].والجواب✍️: هو ما قدمنا من قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ56} [الذاريات] أي: ليطيعوني ويعبدوني.
ثم إن إلزام الله تعالى المكلفين بالعبادة والطاعة في كتبه المنزلة، وعلى ألسنة رسله وحملة العلم دليل على بطلان قول المجبرة.
واللام في الآية التي يستدلون بها على ما ذهبوا إليه تسمى لام العاقبة، وهي كاللام التي في قوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [القصص:8].
والأولى أن تكون اللام على أصلها للتعليل، ويكون المراد بالذرء هو الذرء الثاني، وبهذا فسر الآية الإمامان القاسم والهادي عليهما السلام والذرء الثاني هو الذرء في القبور، وبهذا التفسير يلتئم شمل آيات القرآن، وتسلم آياته من التناقض والاختلاف، بخلاف تفسير المجبرة فإنه متناقض مع قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ56} [الذاريات].
ولا خلاف بين المسلمين أن القرآن سالم من التناقض والاختلاف {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِه} [فصلت: 42] {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختلافاً كَثِيراً82} [النساء].
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ......
11- قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} [الأنعام: 112]،فقالوا: إن الآية دليل على أن الله يشاء فعل الشياطين.
والجواب✍️: أن معنى الآية أن الله تعالى لو شاء لأماتهم أو حبسهم عن فعل المعاصي، لكنه تعالى خلاهم وشأنهم، ووكلهم إلى اختيارهم، ليتم التكليف الذي يترتب عليه الجزاء، فلم يمنعهم من فعل الكفر والمعاصي، والجعل يراد به التخلية، والتخلية من الله تعالى، لذلك أسند الفعل إليه، وهذا من مجاز الإسناد الذي يسمى المجاز العقلي عند أهل البلاغة.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
قوله تعالى: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض..
12- قوله تعالى: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض..} والجواب عليهم✍️ومما يستدلون به أيضاً قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]، فقالوا: إن الآية دليل على أن الله تعالى لم يشأ إيمان الناس جميعاً، وأنه لو شاء ذلك لآمنوا.
فيؤخذ منها أنه تعالى يشاء عصيان العصاة وإيمان المؤمنين.
والجواب عليهم✍️: أن معنى الآية: أن الله تعالى لو شاء أن يرغم أهل الأرض على الإيمان لآمنوا، غير أنه تعالى لم يشأ ذلك؛ لما يلزم من بطلان التكليف والاختيار، وببطلان ذلك يبطل الثواب والعقاب، وذلك أن الثواب والعقاب مبنيان على الاستحقاق، ولا استحقاق مع عدم الاختيار، وهذا التفسير هو الذي يتمشى مع منطق الفطرة، ويتناسب مع الحكمة، مع أن آخر الآية يشهد لما ذكرنا، فإن قوله تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ99} [يونس] دليل على أن المعنى ولو شاء ربك أن يكره الناس على الإيمان لآمن من في الأرض أفأنت...إلخ.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
قســـم الوعــد والوعيـــد
مسائل الوعد والوعيد التي اجمع عليها أهل البيت الزيدية عليهم السلام
المسألة الأولى: أَنَّ مَنْ وَعَدَهُ اللهُ بِالثَّوَابِ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ فإِنَّهُ مَتَى مَاتَ مُسْتَقِيْمًا عَلَى إِيْمَانِهِ صَآئِرٌ إِلَى الْجَنَّةِ لَا مَحَالَةَ، وَمُخَلَّدٌ فِيْهَا خُلُودًا دَائِمًا فِي ثَوَابٍ لَا يَنْقَطِعُالمسألة الثانية: أَنَّ مَنْ تَوَعَّدَهُ اللهُ تَعَالَى بِالْعِقَابِ مِنَ الْكُفَّارِ، فَإِنَّهُ مَتَى مَاتَ مُصِرًّا عَلَى كُفْرِهِ، صَآئِرٌ إِلَى النَّارِ لَا مَحَالَة، مُخَلَّدٌ فِيْهَا خُلُودًا دَائِمًا
المسألة الثالثة: أَنَّ مَنْ تَوَعَّدَهُ اللهُ بِالْعِقَابِ مِنَ الفُسَّاقِ، فَإِنَّهُ مَتَى مَاتَ مُصِرًّا عَلَى فِسْقِهِ فَإِنَّهُ يُدْخِلُهُ النَّارَ وَيُخَلِّدُهُ فِيْهَا خُلُودًا دَائِمًا
المسألة الرابعة: أَنَّ أَصْحَابَ الكَبَائِرَِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يُسَمَّوْنَ فُسَّاقًا وَلَا يُسَمَّوْنَ كُفَّارًا
المسألة الخامسة: أَنَّ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَابِتَةٌ قَاطِعَةٌ
معنى الوعد والوعيد:
الإيمان باليوم الآخر هو من أركان الإيمان التي لا يتم إلا بالإيمان به، والوعد والوعيد هما الغاية من اليوم الآخر، وما سوى ذلك فهو كالمقدمة.والمراد بالوعد هو ما أخبر الله تعالى به من استحقاق المطيع للثواب الدائم في جنات النعيم.
والمراد بالوعيد ما أخبر الله تعالى به من استحقاق العاصي للعقاب الدائم في عذاب الجحيم.
والقرآن مملوء بذكر ذلك، وأنه جزاء على الأعمال، وقد ذكر أمير المؤمنين عليه السلام وجه الحكمة في ذلك، فقال عليه السلام: «(إن الله وضع الثواب على طاعته والعقاب على معصيته ذيادة لعباده عن نقمته، وحياشة لهم إلى جنته)».
ومعنى ذلك: أن الوعد والوعيد سبب زاجر عن اقتراف المآثم والعظائم، وعن الدخول في الظلم والعدوان، وعن الدخول في شيء من أدناس المعاصي، وسبب داع إلى فعل الحسنات، وتزكية النفس، ومعالي الأخلاق، ومحاسن الأعمال، وشكر النعمة، وذلك سبب لرضا الله تعالى وللدخول في رحمته والسلامة من عذابه.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
قالت العدلية: ولا يجوز على الله تعالى أن يخلف الوعد والوعيد؛ لأن ذلك صفة نقص، والله يتعالى عن كل نقص، وقد قال سبحانه: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ29} [ق]، وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ9} [آل عمران].
وقالت المجبرة: بل يجوز على الله خلف ذلك.
والجواب✍️: أنَّ الله تعالى يقول {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ2} [البقرة] فلو جوَّزنا خلف الوعد والوعيد على الله تعالى لدخل الريب في الآيات التي ذكرنا، والارتياب في شيء من الآيات كفر.
الأدلة على خلود من دخل النار
والدليل على ما قلنا وإبطال ما سواه من الأقوال: قوله تعالى في عموم العصاة: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فيها...} [النساء: 14].وهذه الآية جاءت بعد ذكر المواريث في سورة النساء، والكلام موجه إلى المؤمنين، فإنه قال سبحانه وتعالى في أول الآيات: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ.. ثم قال في آخر ذلك: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ.. إلى قوله: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ... الآيات} [النساء:11-14].
وقال تعالى في سورة النساء وهي مدنية والخطابات فيها للمسلمين: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً... إلى قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً93} [النساء].
وقال سبحانه في رد أماني المتمنين من اليهود وغيرهم: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ80 بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ81} [البقرة].
وقال تعالى للمؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ278... إلى قوله تعالى: وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ275} [البقرة].
وخاطب الله تعالى أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين تجادلوا هم واليهود في الخروج من النار: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً123} [النساء].
إلى غير ذلك من الآيات التي حسم الله فيها أطماع الطامعين وأماني المتمنين وهناك الكثير من الأدلة على ما قلنا، من ذلك ما روي في الصحاح:«((من تحسى سماً فهو يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها، ومن تردى من جبل فهو يتردى في جبل في النار خالداً مخلداً، ومن وجأ نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه في النار خالداً مخلدا))» .
وروى البخاري: «((من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسير أربعين عاماً))».
قد يقال:كيف تحكمون بالخلود في نار جهنم لفساق هذه الأمة والله تعالى يقول: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] وقوله {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ39} [الصافات].
وكان مقتضى ذلك أن يعذب الفاسق بقدر معصيته، ثم يخرج من النار، كما يقوله أهل السنة، أما خلوده في العذاب الأليم فإن العقل يرى فيه شيئاً من البعد عن العدل الإلهي الذي تمدح الله تعالى به في نحو قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا40} [النساء].
ونقول في الجواب على ذلك✍️: إن الفاسق الذي يصر على فسقه ولا يتوب إلى ربه حتى يموت، يستحق الخلود في النار استحقاقاً، وخلوده في العذاب الأليم من واضح العدل وظاهره، يدل على ذلك وجوه من الأدلة:
1- أن الذي يصر على قتل الأطفال بعد فاحشة اللواط مثلاً، أو يتقطع في طريق المسلمين فيأخذ أموالهم، ويسفك دماءهم، أو يسعى بالفساد بين المؤمنين المتآلفين حتى يقع بسبب فساده قتل كثير من الرجال والنساء والأطفال، ويقع الخراب والدمار، و.. إلخ ثم يرتاح لذلك، ويصر على فعل ذلك، وإذا ذكر بالله لا يذكر، وإذا خوف بالله لا يخاف، وإذا وعظ لا يتعظ، بل لا يزيده ذلك إلا تمادياً في الفسوق والعصيان، ثم يموت على ذلك.
فإن مثل ذلك لا تمحو جريمته مرور عشرات الأعوام ومئاتها في نار جهنم، ولا يخرجه ذلك من دائرة الإجرام عند العقل، فلا يزال الفاسق المجرم وإن مرت عليه الأعوام في نار جهنم هو ذلك المجرم.
2- قد أخبر الله تعالى في كتابه الكريم عن مدى إصرارهم على الفسوق والعصيان وارتكاب الجرائم الموبقة والفواحش فقال سبحانه: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ28...} [الأنعام] فاقتضى ذلك أن من كان بهذه المنزلة أن يؤبد في السجن الإلهي، وبذلك تقضي العقول من غير تردد، وعلى ذلك جرت محاكم العدل الدنيوية.
3- لا يجوز في العقل أن يخرج الله تعالى الفاسق من النار، ثم يدخله الجنة، وذلك أن الفاسق يبارز الله تعالى بالمعاصي و.. إلخ. لذلك فإنه لا يستحق التعظيم والتكريم في الجنة.
ألا ترى لو أن رجلاً قتل أحد أبناء رجل آخر، ولم يعتذر من ذلك، بل أصر على قتل سائر أولاده، ثم سجن لذلك عشرين سنة أو أكثر، وما زال مصراً على عدم الاعتذار وعلى قتل الآخرين، فإنه يقبح من أب المقتول أن يعفو عنه وأن يعظمه بأي نوع من التعظيم.
4- قد أبلغ الله تعالى في الإعذار والإنذار إلى الظالمين والفاسقين حتى أخبرهم بما أعد للظالمين والفاسقين من العذاب الدائم، وأكد ذلك غاية التأكيد، وحذرهم غاية التحذير.
فمن اختار من العباد معصية الله على طاعته، وطريق عذابه على طريق ثوابه، فقد أتي من قبل نفسه حيث استحق العذاب الدائم بسوء اختياره، {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ54} [النور].
{أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ71} [الزمر].
وفي المثل العربي:«(من أعذر فقد أنذر)».
5- أهل السنة متفقون على خلود الكافر في عذاب جهنم، وسواء أكان كفره قليلاً أم كثيراً، فلو ختم الرجل المسلم عمره بالكفر ساعة فقط، ثم مات مصراً على الكفر فإنه من أهل الخلود، ونحن نوافقهم في ذلك ولا نخالفهم، وبإمكاننا أن نعترض عليهم في ذلك بنفس ما اعترضوا به علينا في الفاسق، فما أجابوا علينا به من الجواب أجبنا نحن به عليهم.
أما قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] ونحوها فأعلم أن كبائر الإثم والفواحش التي نهى الله عنها هي من العظم والكبر فوق ما يتصوره الإنسان، وقد صور الله لنا عظم بعض الكبائر فقال عز وجل: {....أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]، وقال سبحانه في بعض المعاصي: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ15} [النور]، وقد تصل الكلمة الخبيثة إلى مدى بعيد من الفساد العظيم، وإهلاك الحرث والنسل.
والزنا يترتب عليه مفاسد لا يعلم مداها إلا الله تعالى، وذلك أن الولد الحاصل من الزنا تكون طبيعته الشر، والقسوة والغلظة، وكذلك ما تناسل منه، فما حصل من فساد تلك الذرية في الأرض فإنه ناتج من فساد ذلك الزنا، وهكذا سائر الكبائر.
وحينئذ فيكون الجزاء لمرتكب مثل ذلك الذي يموت مصراً على كبيرته هو الخلود في النار جزاءً وفاقاً.
فالطيب: له مغفرة ورزق كريم في جنات النعيم.
والخبيث: سيجمع الله بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم، كما نطق بذلك القرآن.
والمعلوم أن الآخرة دار جزاء، لا يمكن الخبيث أن يزكي نفسه بها، ولا أن يتدارك نفسه فيها بتوبة أو عمل صالح. {وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ52} [سـبأ].
وعذاب جهنم لا يزكي النفس، ولا يطهرها، فلا تصير النفس به زاكية بعد أن كانت خبيثة، يدل على ذلك قوله تعالى في صفة أهل النار: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام:28].
وقوله تعالى في الحكاية عن أهل النار: {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ106 رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ107 قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ108} [المؤمنون].
وقوله تعالى: {فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً30} [النبأ].
وقوله تعال حكاية: {... أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ37} [فاطر].
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا الباب، يوضح ما ذكرنا أن عذاب جهنم عذاب غضب وانتقام، وما كان كذلك فلا يراد به تصفية النفوس وتزكيتها، وهذا بخلاف عذاب الدنيا؛ فإنه عذاب رحمة في الأغلب، يراد به تزكية النفوس وتصفيتها، وتماماً كما قال سبحانه: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ21} [السجدة].
وقال سبحانه: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ126} [التوبة]، وقال سبحانه: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ168} [الأعراف].
وقال سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ42 فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ43....} [الأنعام].
هذا، وقد يعذب الله في الدنيا عذاب الغضب والانتقام، وذلك إذا استحكم غضب الله واشتد مقته، وحينئذٍ فلا ينفع نفساً إيمانها لم تكن أمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، ومن هذا النوع ما ذكره الله تعالى في قوله: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ11} [الأنبياء].
وإذا حل هذا النوع من العذاب بقوم فإنه لا ينفعهم توبة، ولا إيمان وتماماً كما حكى الله تعالى عن فرعون: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ90} [يونس].
7- آيات القرآن حسمت الأطماع، وقطعت الآمال، حيث لم يرد في القرآن آية تنص على خروج أحد من النار، ولا حتى إشارة إلى ذلك.
بل الذي جاء في القرآن هو النعي على اليهود في دعواهم الخروج من النار، حيث قال سبحانه وتعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ80 بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ81} [البقرة].
فرد الله في هذه الآية على اليهود وعلى كل من يقول بمثل مقالتهم رداً مؤكداً، فكذب مقالتهم، ثم أردف ذلك بتأكيد الخلود في النار لكل من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته، سواء أكان من اليهود أم من المشركين أم من غيرهم.
إحاطة الخطيئة بصاحبها هو أن يعمل المكلف السيئة متعمداً لفعلها، عالماً بقبحها وأن الله تعالى قد نهى عنها، ثم لم يتخلص من تلك المعصية بالتوبة والاستغفار حتى مات على ذلك، فهذا هو معنى إحاطة الخطيئة، وخلاصة ذلك: أن تستولي المعصية على صاحبها إلى أن يموت.
ولا طريق إلى التخلص من ذلك إلا بالتوبة، فإذا لم يتب صاحب المعصية إلى أن يموت فإن معصيته محيطة به ومستولية عليه، والذي يتوب قبل الموت من خطيئته، ويستغفر الله تعالى، ثم يموت، فإن معصيته غير محيطة به، ولا مستولية عليه.
8-الأحاديث التي رويت في الخروج من النار أحاديث آحادية، ولا تفيد إن صحت إلا الظن، والمطلوب هنا العلم، فلا تقبل، ومع ذلك فهي معارضة لصرائح القرآن ونصوصه.
وبعد، فلا يستطيع أهل السنة والجماعة تصحيح تلك الأحاديث، وغاية ما يقولون في التدليل على صحتها: رواه مسلم أو البخاري أو فلان أو فلان، وصححه فلان أو فلان.
فإذا قالوا ذلك فإنا نقول: تصحيح البخاري أو مسلم أو أبي داود أو غيرهم للحديث ليس دليلاً على صحته، بل إنما ذلك دعوى محتاجة إلى بينة.
وليس هناك دليل يبين أن قول أحد من أولئك حجة يلزم العمل بها، وإنما أصطلح أهل السنة والجماعة على اعتبار أقوال أولئك الأئمة دليلاً وحجة يجب اتباعها، وليس اصطلاحهم على ذلك مما يعتبر حجة ودليلاً في الإسلام.
فالأدلة الشرعية هي كما عرفت: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، واصطلاح أهل السنة ليس واحداً من تلك الأدلة، فلا يجوز الاعتماد عليه ولا الالتفات إليه، بل الواجب إنكاره؛ لأنه من المنكرات المبتدعة التي لم يأذن بها الله تعالى.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
شبه وردود عليها
قولهم: قال الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ53... [الزمر] وقال تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ...[الرعد: 6] وقال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].
قلنا: هذه الآيات ونحوها مطلقات مقيدات بالآيات الأخرى، كقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى82} [طـه] وهذا هو الواجب فيما كان كذلك من الآيات، فتكون المغفرة خاصة بالتائبين.يبين صحة ما قلنا قوله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 49 وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ50} [الحجر].
فإن قيل: إذا كان الله تبارك وتعالى لا يغفر المعاصي إلا بالتوبة فما وجه تفرقة الله تعالى بين الشرك وما دونه في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48]؟
قلنا: الشرك ذنب عظيم يتميز عن سائر الكبائر والمآثم بأن الله تعالى لا يغفر ما كان منه عن طريق الخطأ أو الجهل إلا بخالص التوبة والرجوع إلى الله.وهذا بخلاف سائر الكبائر التي ليست بشرك ولا كفر، فإن الله تعالى قد يغفرها إذا صدرت من المكلف عن طريق الخطأ والنسيان والجهل؛ لقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5].
وفي الحديث:«((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))» .
ولزيادة الإيضاح نقول: إن الله تعالى أمر بقتل المشركين وقتالهم جميعاً، وعلى حسب ذلك قاتلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون وقتلوهم، من غير تمييز بين عامد وناسي، ومخطئ وجاهل، والمعلوم من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسنته أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا جيء إليه بزان أو سارق يستفهمه ويلح عليه في المسألة: هل تدري ما الزنا؟..وإلى آخر السؤالات والاستفسارات عن الأحوال التي وقع عليها الزنا أو السرق، مما يدلنا على الفرق الواضح بين الشرك وغيره من الكبائر.
قولهم: القرآن مملوء من نحو قوله تعالى: وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ , إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ.
قلنا: يجب حمل ذلك على الآيات المقيدة نحو قوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ... الآية} [الأعراف: 156].وقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى82}[طـه].
وبعد، فإن الوعد بالنعيم والجزاء الحسن في جنات الخلد الذي ذكره الله تعالى في كتابه إنما هو للمتقين المطيعين لله تعالى، التائبين إليه، غير المصرين.
من ذلك قوله تعالى في سورة الفرقان: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً63} [الفرقان] إلى قوله تعالى: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا... الآية} [الفرقان: 75].
وقال سبحانه وتعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ1 الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ2... إلى قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ9 أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ10 الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ11} [المؤمنون]
وقال سبحانه وتعالى: {سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ... إلى قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ135 أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ...الآية} [آل عمران: 135-136]،
وقال سبحانه: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ..الآية} الأعراف:156]، وقال سبحانه: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ...} [النساء: 13]،
وقال تعالى: {وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ179} [آل عمران]،
وقال سبحانه: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ... الآية} [آل عمران: 198]
وقال سبحانه: {وَالْعَصْرِ1 إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ2 إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ3}.
وفي حديث الصحاح: «((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل ومن يأبى يا رسول الله قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى))».
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
الشفاعــــة
ثبوت الشفاعة
لا خلاف بين المسلمين في ثبوت شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يوم القيامة، وأن المراد بالمقام المحمود الذي وعد الله به نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، هو الشفاعة المقبولة، وإنما الخلاف في من يستحقها.أجمع أهل البيت ِعليهم السلام الزيدية أن شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، خاصة بالمؤمنين التائبين، يرقيهم الله تعالى بها من درجة إلى درجة أعلى، ومن نعيم إلى نعيم أسنى.
أما من يستحق النار فلا حظ له في الشفاعة ولا نصيب، وهو خالد في النار مع الخالدين، ومعذب مع المعذبين.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
الرد على من قال: الشفاعة لأهل الكبائر
وقالت المجبرة: إن الشفاعة لا تكون إلا لأهل الكبائر ليعفى عنهم ويدخلون الجنة تفضلاً.وقال بعضهم: شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأهل الكبائر من أمته يخرجهم الله تعالى بها من النار إلى الجنة.
والجواب عليهم ✍️في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ27} [يونس].
فقوله تعالى: {مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} نص في نفي الشافع وغيره.
وفي قوله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً123} [النساء].
وهذه الآية نص صريح في نفي أي مدافع وناصر وشافع لأهل السيئات من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الخطاب للصحابة والمسلمين ولأهل الكتاب.
وقوله تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ18} [غافر]، و {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ270} [البقرة].
وقد تستدل المجبرة بالاستثناء في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ106 خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ107} [هود] فقالوا: إلا ما شاء ربك من إخراج أهل الكبائر بالشفاعة من النار.
قلنا: الاستثناء قد وقع في حق الذين سعدوا {فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ108} [هود]، وقد وقع الاتفاق على أن أهل الجنة خالدون فيها أبد الآبدين، وأن المراد بالاستثناء في حقهم هو قبل دخول الجنة، وهو وقت وقوفهم في المحشر.
وعلى هذا فيكون المراد بالاستثناء في حق الأشقياء مثل الاستثناء في حق أهل الجنة، والفرق بين التفسيرين تحكم.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
حديث: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي
قالوا: جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كحديث:«((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي))» .قلنا: إذا جاء الحديث بخلاف ما جاء به القرآن فإنه يجب طرحه، ولا يجوز الالتفات إليه، ولا العمل به.
وهذا مع أن راوي الحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو من أعداء أمير المؤمنين عليه السلام المحاربين له مع معاوية، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في حق علي:«((لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق))» روى ذلك مسلم وغيره.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: «((حربك حربي، وسلمك سلمي))».
وقال صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الغدير في حق علي: «((اللهم انصر من نصره، واخذل من خذله..))».
وقد اتفق الجميع أن علياً عليه السلام هو الخليفة الراشد، وأن معاوية وأعوانه بغاة، ولا خلاف في ذلك بين أهل السنة وغيرهم، والباغي مجروح العدالة.
وقد جاء من السنة أحاديث كثيرة تعارض هذا الخبر الذي رواه ابن العاص، من ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم:«((لا يدخل الجنة صاحب مكس، ولا مدمن خمر، ولا مؤمن بسحر، ولا قاطع رحم، ولا منَّان))» ، وقولهصلى الله عليه وآله وسلم:«((لا يدخل الجنة بخيل))» ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
حديث: من قال لااله الا الله دخل الجنة
قالوا: جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّ من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة.قلنا: لا إله إلا الله هي كلمة الإخلاص، وعنوان الأعمال الصالحة، فإذا لم تستتبعها الأعمال الصالحة ولم تلحقها فإنما هي استهزاء و نفاق.
ودليل ذلك قوله تعالى: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ... الآية} [المائدة: 81].
وقال تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ1} [المنافقون].
وأما حديث: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق.... الحديث» فلا ينبغي الالتفات إليه؛ لمعارضته القرآن، قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً68 يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً 69 إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً... الآية} [الفرقان].
ولمعارضته لما في الصحاح: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن... الحديث».
وبعد، فكلمة الإخلاص التي هي لا إله إلا الله إذا صدرت من قلب قد امتلأ من مهابة الله وخشيته، والتصديق بوعده ووعيده، وأيقن أن لا ملجأ له من الله إلا إليه؛ فإن لا إله إلا الله تعتبر في هذه الحال دخولاً في حصن الله ومعقل أمنه، ورجوعاً عن عصيانه إلى طاعته، وعلى هذا تفسير الأحاديث التي رويت في هذا الباب، مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا إله إلا الله حصني، من دخل حصني أمن من عذابي...» وحديث: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» ونحوهما.
وحينئذ فلا إله إلا الله عبارة عن التوبة، وترجمة لها.
ولا بد من حصول ما ذكرنا وإلاّ لم تكن لا إله إلا الله نافعة ولا مقبولة، ومن هنا رد الله تعالى شهادة المنافقين بألسنتهم كما سمعت في الآية السابقة وقال عنهم: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 11].
فإن قلت: لم خصت كلمة لا إله إلا الله بهذا دون سائر الأذكار.
قلت: لما فيها من الدلالة يوم جاء الله تعالى بالإسلام على ترك الشرك، والدخول في دين الإسلام والتوحيد، فكان الرجل إذا قالها دل قوله لها على رجوعه عن دين المشركين ودخوله في دين المسلمين دلالة صريحة وواضحة، وقد كان المسلمون إذا رأوا من الرجل الداخل في الإسلام بشهادة أن لا إله إلا الله إذا رأوا منه الاستقامة عرفوا أنه صادق في دخوله الإسلام، وإن رأوا منه التفريط في شيء من طاعة الله ورسوله اتهموه بالنفاق، ومن هنا قال الله تعالى في الأعراب: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 14 إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ15} [الحجرات] وقال سبحانه: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ1}[الأنفال].
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
قســـم الإمامـــــة
مسائل الإمامة التي أجمع عليها أهل البيت عليهم السلام الزيدية:
المسألة الأولى: أَنَّ الإِمَامَ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم هُوَ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلامالمسألة الثانية: أَنَّ الإِمَامَ بَعْدَ عَلِيٍّ عليه السلام ابْنَهُ الحَسَنُ عليه السلام
المسألة الثالثة: أَنَّ الإِمَامَ بَعْدَ الْحَسَنِ أَخَوْهُ الْحُسَيْنِ بْنُ عَلِيٍّ عليهم السلام
المسألة الرابعة: أَنَّ الإِمَامَة بَعْدَ الحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ عليهما السلام فِيْمَنْ قَامَ ودَعَا الْخَلْقَ إِلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، وَكَانَ مِنْ وَلَدِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ عليهما السلام
أهمية الإمامة:
مسألة الإمامة من أكبر مسائل أصول الدين وأعظمها، وذلك لما يترتب عليها من جهاد الظالمين، وإحياء الدين، وإقامة العدل والإنصاف والحدود، وتأمين الطرق، وجمع الصدقات والفيء، ثم توزيعها، ولما فيها من إصلاح الدين والدنيا.والإمام خليفة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقائم مقامه، يقوم بأعماله ووظائفه؛ لذلك وجبت معرفة الإمامة على كل مكلف، يؤكد ذلك الخبر المشهور: «من مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية».
وفي نهج البلاغة «ِنَّمَا الْأَئِمَّةُ قُوَّامُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَعُرَفَاؤُهُ عَلَى عِبَادِهِ وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ عَرَفَهُمْ وَعَرَفُوهُ وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا مَنْ أَنْكَرَهُمْ وَأَنْكَرُوهُ».
وقد نقل في شرح الأساس في هذا المعنى شيئاً كثيراً عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، ذكروا فيه التأكيد والتشديد في وجوب معرفة الأئمة على كل مكلف.
إلا أن الإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلام استثنى من ذلك الأعجمي والمرأة والجاهل الذي لم يقرأ القرآن، ولم يعلم العلم، فإنه قال: إن جملة الإسلام تجزيهم.
أراد عليه السلام أن إقرارهم بالإسلام جملة يجزيهم.
ولا تكون الإمامة إلا لشخص واحد، وذلك أن تعدد الأئمة في وقت واحد وبلاد واحدة يؤدي إلى التشاجر والنزاع والفساد.
وهذا بخلاف النبوة فلا يحصل فيها شيء من ذلك؛ لأن النبي يتبع الوحي، وقد يجوز قيام إمامين في وقت واحد، وذلك إذا تباعدت بين الإمامين الديار، مثل ما كان بين الإمام الهادي إلى الحق وبين الإمام الناصر الأطروش عليهما السلام.
والإمامة من الواجبات التي أوجبها العقل والشرع.
فالعقل يوجب دفع ضرر بعض الناس عن بعض، ولا يتم ذلك إلا بالإمام، وذلك أن الناس مع كثرتهم واختلاف طبائعهم ودواعيهم لا ينفكون عن عدوان بعضهم على بعض، وظلم بعضهم بعضاً، ولا ينزجرون عن ذلك، ولا ينفكون عنه إلا إذا كان هناك رئيس له قوة وسطوة وأعوان، يمنعهم الخوف منه عن الظلم والعدوان، ثم إن عادة البشر في كل زمان ومكان لا يوجد منهم قبيلة أو شعب إلا وله رئيس يمنع القوي من الضعيف، وينتصف للمظلوم من الظالم.
وأما دليل الشرع فإنه لما توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجمعت الصحابة على أنه لا بد من رئيس يقوم بأمر الأمة، ثم من بعدهم إلى اليوم، فإنهم حين يموت الإمام يفزعون إلى نصب إمام، ويطلبونه، ويعتقدون وجوب قيامه.
والواجب على الأمة إعانة من يصلح لها بالمال والنفس والجنان والأركان، وعلى ذلك اتفقت الأمة.
وذلك لأنه لا يتم حفظ بيضة الإسلام، وإقامة شعائره، وإقامة العدل والإنصاف، وإقامة الحدود، و.. إلخ. إلا بإعانة الإمام ونصرته.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
لا يخلو الزمان ممن يصلح للخلافة
ولا بد في كل زمن من وجود من يصلح للإمامة من منصبها الشرعي، وعلى ذلك أجمعت العترة، ووافقهم غيرهم.ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المشهور:«((أهل بيتي كالنجوم كلما أفل نجم طلع نجم))» وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الثقلين: «((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض))».
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم:«((إن عند كل بدعة يكاد بها الإسلام ولياً من أهل بيتي موكلاً يعلن الحق، وينوره، ويرد كيد الكائدين، فاعتبروا يا أولي الأبصار، وتوكلوا على الله))» .
ويقول أمير المؤمنين عليه السلام كما في نهج البلاغة:«(اللَّهُمَّ بَلَى لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ وَبَيِّنَاتُهُ..))» .
وخلو بعض الأزمنة عن قيام إمام وظهوره إنما كان لقهر الظالمين، وتغلب الجبارين، وفي مثل تلك الحال لا يجب على الإمام القيام والظهور؛ لفقدان شرط وجوب ذلك، والأمة تكون معذورة في مثل تلك الحال، وهم العازمون على نصر الإسلام.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
أهم شروط الإمامة
وأهم شروط الإمامة: المنصب، والعلم، والورع، والشجاعة، وحسن التدبير، والسلامة من النقص المخل بأعمال الخلافة ومن المنفرات، والأفضلية.أما منصب الخلافة فهو علي عليه السلام، والحسن، والحسين عليهما السلام، وذريتهما.
والدليل على ذلك حديث الثقلين المشهور، المتواتر المعلوم، الذي روته طوائف الأمة، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بين فيه للأمة خليفتين يقومان مقامه صلى الله عليه وآله وسلم بعد موته، ويسدان الفراغ الذي ستجده الأمة بعد فراق نبيها صلى الله عليه وآله وسلم: أحدهما كتاب الله تعالى، والآخر عترته أهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم ثم بين صلى الله عليه وآله وسلم عترته أهل بيته في حديث الكساء المشهور المتواتر، الذي رواه مسلم وغيره، وبذلك يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بين منصب الخلافة أكمل البيان وميزه أكمل التمييز.
وقيل: إن منصبها كل قريش، وقيل غير ذلك، واستدلوا على ذلك بما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «((الأئمة من قريش))» و «((قدموا قريشاً ولا تقدَّموهم))».
والجواب✍️: أن المراد بذلك هم من ذكرنا؛ لحديث الثقلين، وحديث الكساء، ولإجماع أهل البيت عليهم السلام على ذلك، وإجماعهم حجة كما تقدم.
ولقول علي عليه السلام: «(الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ غُرِسُوا فِي هَذَا الْبَطْنِ مِنْ هَاشِمٍ لَا تَصْلُحُ عَلَى سِوَاهُمْ، وَلَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ مِنْ غَيْرِهِمْ)».
ولأن من ذكرنا أمسّ رحماً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قال تعالى: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ...} [الأنفال: 75].
وهذا في حين أن الحديثين المذكورين من أحاديث الآحاد التي لا تفيد إن صحت إلا الظن، وما نحن فيه من مسائل العلم والاعتقاد التي لا تثبت إلا بالأدلة القطعية المعلومة، ودليلنا متواتر معلوم، متأيد بآيات الكتاب، وما لا يكاد يحصى من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد كان الواجب على الأمة بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم -ولو لم يكن ثَمَّ نصوص- أن تنصب بعد موته لشغل منصة الخلافة أهل بيته، وذلك أن أهل بيت الرجل أحق الناس بمكانه، وعلى هذا كانت جميع العرب والعجم، وما زالوا على ذلك إلى هذا القرن، غير أن الأمة بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم تنكرت للسنة العامة للبشر، وخرجت عن قوانينها، وأعرضت عن نصوص نبيها كل الإعراض.
وأما العلم فيشترط أن يكون مجتهداً، وذلك أن الإمام خليفة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقائم مقامه، ولا يستطيع القيام بحق الخلافة إلا العالم المجتهد، أما الجاهل فلا يتصور منه القيام بتطبيق شرائع الإسلام وتنفيذها.
وأما الورع فهو العمدة التي تدور عليه رحا الخلافة؛ لأن الغاية من الخلافة هي إقامة العدل بين الناس، والإنصاف، و.... إلخ، والذي لا يتورع عن المحارم لا يحصل منه ذلك؛ لأن النجاسة لا تطهر إذا غسلت بالنجاسة، وإنما تطهر بغسلها بالماء الطاهر.
قال بعض المتكلمين: إن الإمامة والخلافة تنعقد لصاحبها بالغلبة ولو فاسقاً وجاهلا، وهذا مذهب شائع عند أهل السنة، والذي يظهر لي أنه مذهب فرضه الواقع السياسي، فقد كان الناس يبايعون بالإمامة والخلافة منذ عهد معاوية للمتغلب على السلطان، من غير نظر إلى استحقاق المتغلب للإمامة، وبذلك يسمى إماماً وخليفة.
ولا يحتاج رد مثل هذا القول إلى إيراد الأدلة، ففطر العقول لا ترى الخائن الغادر أهلا ً لحمل أي أمانة وإن صغرت، فكيف يكون أهلاً لحمل أمانة الخلافة التي هي وظيفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ وقد قال تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ...} [هود:113] وقال سبحانه: {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً51} [الكهف]. وقال جل شأنه: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ124} [البقرة].
وأما الأفضلية فلا بد أ ن يكون أفضل أهل زمانه، أو من أفضلهم، وذلك في العلم والورع، وحسن التدبير، والسياسية، وحسن البيان، وحسن الخلق، ونحو ذلك مما له دور في أعمال الخلافة.
ودليل ذلك قوله تعالى: {... قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ...} [البقرة: 247].
وقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء:34]، ففي هاتين الآيتين يبين الله تعالى أن الملك والولاية بسبب زيادة الفضل.
وعلى ذلك أجمعت الصحابة، فمن قرأ ما وقع في بيعة أبي بكر وعمر وعثمان عرف ذلك وتحققه.
وهذا بالإضافة إلى ما ركزه الله تعالى في فطر العقول من استقباح تسلط المفضول على الفاضل، ألا ترى إلى ما في أمر الابن لأبيه، والصغير للكبير، والجاهل للعالم، و...إلخ من السماجة وقلة الأدب.
واشترط أبو العباس في الإمام أن يكون معصوماً، ولا دليل على ما قال، ولا طريق إلى العلم بها بعد ارتفاع الوحي، ولعل مقصوده بذلك أن من ظهرت لنا كمال خصال الإمامة فيه فإنه يحكم بعصمته؛ لأنه لو لم يكن كذلك لظهر خفي فسقه.
ولا حاجة إلى اشتراطها مع اشتراط العدالة والورع، وفرض حصول المعصية لا يخلّ ولا يقدح مع العدالة والورع، وإذا عصى الإمام بالكفر أو الفسق بطلت إمامته كما لو مات.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
الطريق إلى الإمامة
ولا تثبت الخلافة والإمامة لأحد من الناس إلا بدليل شرعي، وذلك أنها ولاية على دماء الناس وأموالهم، وبها يثبت للإمام حق وجوب السمع والطاعة على الرعية فيما أمر ونهى، وبها يكون خليفة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، يتكلم بلسانه، ويضرب بيده، ويكون له ما للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وعليه ما عليه.فلا يثبت هذا الأصل الشرعي العظيم لأحد من الناس إلا بدليل شرعي قاطع يذعن لصحته المسلمون.
فقالت الزيدية جميعاً: الطريق إلى الإمامة هو النص في علي عليه السلام والحسنين عليهما السلام على التعيين، وفي ذريتهم النص الجملي الذي تضمنه حديث الثقلين المتواتر المعلوم، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي».
وقالت المعتزلة والأشعرية: لا نص على إمام معين بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن أجمع الصحابة على العقد والاختيار، فمن عقد له واختير -وهو من قريش- صار إماماً؛ للإجماع على ذلك، والإجماع دليل شرعي، هكذا قالوا.
وقالت الحشوية: إن الإمامة تثبت بالقهر والغلبة.
وقالت الإمامية: النص الجلي على اثني عشر إماماً معينين بأسمائهم.
وأصح الأقوال وأقومها هو القول الأول الذي هو قول الزيدية.
أما غيره من الأقوال فلم يقم على شيء منها ما يدعمه من الدلائل.
أما احتجاج المعتزلة والأشعرية بالإجماع فهو احتجاج يكذبه الواقع، فبيعة أبي بكر كانت فلته وقى الله شرها من وقى كما روي في الصحاح، وبيعة عمر كانت بالوصية من أبي بكر بلا ريب، وبيعة عثمان كانت بالوصية من عمر في واحد من ستة، فلا إجماع في ذلك، ولا عقد، ولا اختيار.
فإن قيل: قد أجمعوا على إمامة أبي بكر، وإن كانت فلتة، وكذلك على إمامة عمر، وإن كانت بالوصية، وكذلك على إمامة عثمان، وإن لم تتدخل في إمامة واحد من الثلاثة جماعة الحل والعقد.
قلنا: لم يرض جماعة من الصحابة بإمامة أبي بكر، وفي مقدمتهم أمير المؤمنين عليه السلام، وذلك مشهور مذكور في كتب التاريخ.
وإرغامهم على البيعة بعد امتناعهم واجتماعهم في بيت فاطمة معلوم.
وسكوت أمير المؤمنين عليه السلام ومن معه بعد ذلك لا يدل على الرضا، هذا مع أنه عليه السلام قد صرح بعد السكوت، وباح بما في نفسه، كقوله في الخطبة المسماة الشقشقية: «(أَمَا وَالله لَقَدْ تَقَمَّصَها ابنُ أَبِى قُحَافَةَ، وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّيَ مِنهَا مَحَلُّ القُطْبِ مِنَ الرَّحَا، يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ) ...
إلى قوله: (فأغضيت على القذى، وشربت على الشجا، أرى تراثي نهباً)....
إلى قوله: (فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِي فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَوْتِ)...»إلى آخر الخطبة، وله عليه السلام كلام كثير من هذا النوع مذكور في كتاب نهج البلاغة.
وبذلك يتبين بطلان قول المعتزلة والأشعرية.
وأما دعوى الإمامية فلم يأتوا عليها بدليل ولا شبهةَّ، ولم يخرجوا بها من دائرة الدعوى.
وهناك مذاهب أخرى:
منها: الإرث، قال به الذين يتشيعون لخلفاء بني العباس، ومنها: النص الجلي في أبي بكر، ومنها أيضاً: النص الخفي في أبي بكر.
والجواب✍️: أن العباس رضي الله عنه لم يطلب الخلافة بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا ابنه عبد الله، بل قال العباس يومئذٍ لعلي عليه السلام: أمدد يدك أبايعك، فيقال: عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بايع لعلي، فلا يختلف عليك اثنان.
وبايع عبد الله لعلي عليه السلام، وتولى له الأعمال، ونصره، و.... إلخ.
وأما دعوى النص في أبي بكر فكدعوى الإمامية.
ولا يجوز قبول الدعاوي إلا ببراهين قوية، وحجج واضحة، وإلا وجب ردها.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
حجج الزيدية على قولها في الإمامة
وها نحن نبين حجج الزيدية وبراهينها على ما تدعي فنقول:🔷الحجة الأولى إجمالية، وهي:
أن الله سبحانه وتعالى قد اصطفى آل إبراهيم وآل عمران وآل يعقوب -الذي هو إسرائيل- على العالمين، فبناءً على هذه السنة الإلهية التي أجراها في أنبيائه السابقين يجب أن يكون آل نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم هم صفوة الله، ومحل اختياره من هذه الأمة، وذلك طرداً لسنة الله تعالى في الذين خلوا من قبل: {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}[الأحزاب: 62] {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً}[فاطر: 43].وقد عزز الله تعالى هذه السنة، ورفع قدرها، بما أوجب على الأمة من الصلاة عليهم في كل صلاة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلا تتم صلاة أحد إلا بأن يقول في صلاته: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد...إلخ.
وبما أوجب على كل مؤمن من المودة لهم بنص الكتاب الكريم في قوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}[الشورى: 23] وقد بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم المراد بالقربى في هذه الآية فقال: «((هم علي وفاطمة وابناهما))»، روى ذلك أهل الصحاح بما فيهم البخاري.
وقال سبحانه وتعالى في تأكيد ذلك: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً33}[الأحزاب].
روى مسلم في صحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لف على علي وفاطمة والحسن والحسين كساءً فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، فنزلت الآية: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ....}.
ولم يكتف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الدلالات، بل نص نصاً لا تحوم حوله الشكوك على خلافة أهل بيته من بعده، فقال صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الثقلين المشهور المتواتر الذي روته طوائف المسلمين بما فيهم أهل الصحاح: «((إني مخلف فيكم خليفتين...الحديث المتقدم))».
وما زال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤكد ذلك، وينوه به مدة حياته صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديث فائتة للحصر، رواها أهل الصحاح وغيرهم.
وفي كل ذلك دليل على ما نقول من إمامة الأئمة من أهل البيت عليهم السلام، وأنها محصورة فيهم لا تتعداهم إلى غيرهم.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
🔷الحجة الثانية: تفصيلية
الأدلة على إمامة علي (ع)وهي فيما يتعلق بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام وهي:
1- قد تقدم في الحجة الأولى التدليل على خلافة آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بعده، وبناءً على ذلك فعلي عليه السلام هو سيد أهل البيت عليهم السلام، ومقدمهم ورئيسهم، وبذلك يجب أن يكون عليه السلام هو الخليفة بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل، وهذه الحجة واضحة مكشوفة لا تخفى.
2- صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم -كما رواه البخاري في عدة مواضع من صحيحه- أنه قال: «((علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي))»، والمعلوم أن منازل هارون من موسى هي الخلافة والوزارة والأخوة والنبوة، نطق بتلك المنازل القرآن الكريم.
3-ثبت بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديث الغدير ورواه مسلم في صحيحه، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم:«((ألست أولى بكم من أنفسكم؟))» قالوا: بلى يا رسول الله، قال:«((فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله))» .
وكل من هذين الخبرين يفيد إمامة أمير المؤمنين عليه السلام:
أما الخبر الأول: فقد أثبت صلى الله عليه وآله وسلم لعلي كل منازل هارون من موسى، ولم يستثن إلا النبوة، فكان علي عليه السلام بذلك هو خليفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووزيره، وأخاه.
وأما الخبر الثاني: فكلمة (مولى) في قوله صلى الله عليه وآله وسلم:«((من كنت مولاه فعلي مولاه))» تحمل عدة معان بالاشتراك، والمراد هنا من تلك المعاني ولي الأمر الذي يعني الخلافة، وولاية الأمر ثابتة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على جميع أمته، ومن هنا خاطب صلى الله عليه وآله وسلم الجموع المتجمعة في ذلك المشهد الحافل بغدير خم مقرراً لهم على هذا المعنى: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فلما أقروا بذلك على أنفسهم، واعترفوا به، قال صلى الله عليه وآله وسلم: فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه.. إلخ.
فربط صلى الله عليه وآله وسلم بين ولايته وولاية علي عليه السلام، وجعلهما شيئين متلازمين، فلا يتم أحدهما إلا بالآخر، إشارة منه صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن ولاية علي عليه السلام جزء من ولايته، لا يتم إيمان أحد إلا بالإذعان لولايته عليه السلام والإيمان بها.
ثم ختم صلى الله عليه وآله وسلم كلامه ذلك بالدعاء، فقال صلى الله عليه وآله وسلم:«((اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه وانصر من نصره، واخذل من خذله، و... إلخ))» .
وفي ذلك من التأكيد والتشديد ما لا يخفى، فإن المؤمن إذا سمع ذلك الدعاء النبوي يعلم أنه دعاء مجاب لا محالة، فيدعوه ذلك إلى العناية في القيام بموالاة علي عليه السلام ونصرته، ويخاف أشد الخوف من التفريط في ذلك؛ حذراً من أن تصيبه الدعوة النبوية.
وفي هذا الدعاء أيضاً دليل واضح على أن المفرط في ولاية أمير المؤمنين والداخل في عداوته خارج عن ولاية الله إلى عداوته، وأنه ليس من الله في شيء.
وهذا من الأدلة على ما يذهب إليه أئمتنا عليهم السلام من أنه لا يتم لأحد اسم الإيمان حتى يذعن لولاية أمير المؤمنين علي عليه السلام ويعتقد أنه المستحق للولاية والخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وهناك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام.
[قصد السبيل إلى معرفة الجليل للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
لا تدين الزيدية بإمام إلا إذا كان شاغلاً لمقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
ولا يخفى أن الزيدية لا تدين بإمامة الإمام من أهل البيت عليهم السلام إلا إذا كان شاغلاً للفراغ الذي كان يشغله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في باب الولاية من العلم الوافر والتواضع والعدل والإنصاف والزهد والورع وكمال العقل وحسن الرأي والسياسة والرفق والحكم والكرم والشجاعة؛ فإذا كان الإمام كذلك وشهد له علماء أهل البيت بذلك ونصبوه إماماً فهو الإمام.[من ثمار العلم والحكمة للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
إشكال وارد على الإمامة عند الزيدية
سؤال:يوجه بعض أهل المذاهب النقد على مذهب الزيدية في الإمامة فيقولون: كيف يصح لنا أن نثق بأئمة الزيدية ونحن نرى أكثر من إمام في العصر الواحد يتنازعون الإمامة ويختلفون عليها وقد يؤول اختلافهم إلى القتال؟
الجواب ومن الله التوفيق✍️:
أن السؤال والاعتراض إن كان من الإمامية؛ فالجواب عليهم✍️:
🔹- أن الأدلة التي روتها الأمة وأجمعت على صحتها مثل حديث الثقلين دلت على أن أهل البيت هم خلفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم والقائمون مقامه و...إلخ، وادعت الإمامية التنصيص بالإمامة على اثني عشر إماماً مسمين بأسمائهم آخرهم محمد بن الحسن العسكري الذي ولد واختفى على حسب قولهم في منتصف القرن الثالث، ثم لم يأتوا على دعواهم بدليل قاطع، وإنما يستندون إلى روايات رووها وحدهم دون غيرهم.
فرددنا عليهم دعواهم، وتمسكنا نحن الزيدية بالأدلة التي أجمعت على صحتها الأمة، ولم نلتفت إلى قول الإمامية لخلوه عن الحجة والبرهان.
🔹- وحينئذ فلم يبق بعد ذلك إلا أن ندين بإمامة أهل البيت إلى يوم القيامة، والمراد بإمامة أهل البيت إمامة علمائهم، فمن نصبه علماؤهم إماماً وشهدوا له بالإمامة ودانوا له بالطاعة فهو الإمام الذي أوجب الله طاعته.
🔹- وكان الواجب على المؤمنين الالتفاف تحت رايته وأن يدينوا الله بولايته وإمامته؛ فإلى هذا المساق ساقتنا الأدلة التي أجمعت على صحتها الطوائف المختلفة ولم نر بداً من التسليم لها والوقوف عندها.
🔹- ولا يخفى أن الزيدية لا تدين بإمامة الإمام من أهل البيت عليهم السلام إلا إذا كان شاغلاً للفراغ الذي كان يشغله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في باب الولاية من العلم الوافر والتواضع والعدل والإنصاف والزهد والورع وكمال العقل وحسن الرأي والسياسة والرفق والحكم والكرم والشجاعة؛ فإذا كان الإمام كذلك وشهد له علماء أهل البيت بذلك ونصبوه إماماً فهو الإمام.
🔹- بل إن الإمام إذا استجمع ما ذكرنا من الصفات ودعا الناس إلى بيعته فهو الإمام، ولا يشترط أن ينصبه علماء أهل البيت.
🔹- وإنما قلنا فيما تقدم: إنه يشهد له أهل البيت بالإمامة وينصبونه إماماً من أجل وصول الناس إلى معرفة إمامته؛ لأن عامة المسلمين إنما يستدلون على إمامة الإمام بشهادة العلماء وفتاويهم ونحو ذلك.
🔹- وإذا بايع بعض العلماء لرجل بالإمامة وبايع آخرون من العلماء لرجل آخر بالإمامة، ثم أصر كل منهما على إمامته وحصل بينهما خلافات وعداوات و...إلخ؛ فالواجب على المؤمن أن يتوقف حتى يتبين له الإمام منهما.
🔹- فإن لم يتبين له الإمام فليتوقف، ولا يجوز له إبطال إمامة أيهما بغير حجة.
🔹- وليس اقتتال الإمامين دليلاً على بطلان إمامتهما جميعاً وذلك:
لأن المفروض أن كل واحد منهما مستجمع لخصال الإمامة على أكمل الوجوه، لأن علماء الزيدية لا تنصب للإمامة إلا من كان كذلك، وإذا كان كل واحد منهما كذلك فالإمام منهما في الحقيقة هو الذي سبقت بيعته بيعة الآخر، وكان الإمام الآخر مخطئاً في منازعته لصاحبه.
🔹- ثم إنه لا يحصل التنازع والقتال بين الإمامين إلا مع اعتقاد كل منهما أنه أكمل من الآخر وأجمع لخصال الإمامة، وأحسن رأياً وأوفر عقلاً وأكثر علماً وأبصر بتدبير شؤون الولاية و...إلخ.
وعلى كل حال فالذي سبقت بيعته هو الإمام، والآخر مخطئ معذور؛ لأنه يرى أنه الأكمل والأجمع لخصال الإمامة.
🔹- وعلى كل حال فالواقع أن دعوة الإمامين واحدة ومذهبهم واحد وأصول عقائدهم وفروعها واحد لا يختلفون في مذاهبهم ولا يدعون إلى غير ما دعا إليه من قبلهم من الأئمة.
🔹- وليس خلاف الإمامين إلا في الأحق منهما بأن يكون على رأس تلك الدعوة وذلك لا يضر بإمامة الإمام منهما، ومخالفه مخطٍ معذور.
🔹- هذا مع ندرة القتال بين أئمة الزيدية، والذي حصل من ذلك هو بين الحسين بن القاسم العياني والزيدي، أما من سواهما من أئمة الزيدية فلم يحصل بينهم قتال، وإن كان قد حصل الخلاف على من يستحق الإمامة.
أما الإمام أحمد بن الحسين صاحب ذيبين فكان القتال بينه وبين من ليس بإمام.
وأما ما يذكر في تاريخ أئمة الزيدية من قتال فإنه يكون بين من ليسا بإمامين، أو بين إمام وبين من ليس بإمام، ولو تحرينا النظر واستقصينا البحث فيما جرى بين الزيدي وبين الحسين بن القاسم لعرفنا أن أحدهما إمام والآخر ليس بإمام.
ومن هنا يمكننا القول بأنه لم يقع قتال بين إمامين من أئمة الزيدية على الإطلاق.
[من ثمار العلم والحكمة للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
الإمامة الإسلامية عند الزيدية
لا تنكروا علينا بعد ذلك إذا ادَّعينا أن مذهب العترة في الإمامة هو أعدل المذاهب، وأنه الأوفق مع شرائع السماء وقوانين الأرض، وأنه الأرفق بالناس، والأنسب نظريًا وعمليًا.أما مناسبته نظريًا فلما يلي:
أن الإمامة عندنا أصل من أصول الدين، فهي جزءٌ من منظومة
الدين المتكاملة الشاملة لجملة العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات، وعليه فالذهنية الإسلامية عمومًا والزيدية خصوصًا لا تتعامل مع أمر الحكم من منظور دنيوي؛ بل هي ترى في الإمامة تكليفًا إلاهيًا وعبادة نستحق بإقامتها الثواب من الله وحسن الجزاء في الدنيا والآخرة، والصلة بين الحاكم والمحكوم عند الزيدية صلة روحية وعلاقة وجدانية قائمة على المحبة والتضحية، لا على القهر والغلبة، أو الحسد والأثرة.
ومع أن ما سبق يشاركنا فيه -إجمالًا- جميع مذاهب الإسلام إلا أن الزيدية لم تتناقض مع نفسها، ولم تخالف أصلها فاشترطت في الحاكم أن يكون متصفًا بالعلم والورع والتقوى والزهد والشجاعة والكرم والحكمة وحسن الرأي والتدبير، حريصًا على جميع الناس، راعيًا لمصالحهم، غير مستأثر عليهم بشيء من حطام الدنيا، رحيمًا بالمؤمنين، مقربًا لهم، ومشاورًا إياهم، ومستعينًا بهم في انتظام أمر رعيته، فإذا اختل شرط مما سبق بطلت إمامته عندنا، ولم يستحق الطاعة على الناس، ووجب على أهل الحل والعقد من العلماء العاملين المشهورين بين الناس بفضلهم وعدالتهم أن يزيلوه عن منصبه، وأن يستبدلوه بغيره، ووجب على الناس إعانتهم بذلك، فلا غرو أنتجت الزيدية أئمة على مرِّ تاريخها كانوا من الفضل بحيث لو لم تختم النبوءة لكان الواحد منهم مستحقًا لها، وجديرًا بها، فتجد كل واحد مِنْ مَنْ بلغ سدة الحكم عندنا حاكمًا للرعية، قاضيًا بين الناس، مصنفًا في مختلف العلوم دارسًا له ومدرسًا، واعظًا للخلق، مجاهدًا للأعداء، ذابًا عن الإسلام، وهو مع هذا صائمٌ نهاره، قائمٌ ليله، مستجاب الدعوة، مقصود من الناس للزيارة والتبرك برؤيته، وهو في كل خصلة من هذه الخصال سابقٌ لأهل زمانه، مجليًا في مضماره، وكأنما لم يخلق إلا لها، ولم يلتفت لغيرها، ولم يزاول سواها، وهكذا حال جميعهم إمام بعد إمام، بشهادة الموالف والمخالف، فإذا ما مات مرضي الأفعال محمود السيرة بنى له أبناء رعيته قبة ووصلوه بالزيارات والنذور محبة ورغبة، قرونًا من الزمان إلى يومنا هذا، وليس هذا شأن الرعية مع من ظلمهم وتجبر عليهم
ما زال أولهم إمامًا هاديًا
ما انفك أخرهم بذاكم يقتدي
فقل لي: أين يوجد مثلهم سلام الله عليهم؟
شبهة:
ولا يقال: إن العبرة في نجاح الدول بحيازة الأقطار، واتساع رقعة البلاد، وإخضاع الممالك، وانتظام الأمور؛ لأنا نقول: إن هذا وإن كان معيارًا في نجاح الدول إلا أنه ليس معيارًا على أحقيتها وعدالتها، فإن هذا الذي ذكرت قد حصل للفراعنة والأكاسرة والقياصرة والتبابعة، ولم يحصل لأغلب الأنبياء والمرسلين، ثم إن هذا لا يُسلم كونه بمجرده يسمى نجاحًا إلا عند من جعل همه الدنيا، وصرف نظرًا عن الآخرة، فالنجاح الحقيقي هو الذي يكون فيه ما ذكرت من اتساع البسطة والسطوة قائمًا على أساس العدل والإنصاف مع الخالق والمخلوق، مع إرساء القيم الفاضلة وحراستها، وضمان انتظامها واستمرارها، فإن أمكن اجتماع الأمرين فهو غاية المنى، وهو الذي يسعى إليه الصالحون المصلحون منذ بدء الخليقة، وإن لم يمكن فلا أقل من السعي لحصول الثاني -أعني: إرساء مبادئ العدل والقيم الأخلاقية الفاضلة- فإنه أبقى وأدوم وأحسن عاقبة، وأنفع عند الصالحين أثرًا، وأخلد ذكرًا، وهو الذي كان عليه أئمة الزيدية في أغلب أحوالهم
وأما عمليًا فسنوردُ إن شاء الله أمثلة ونماذج من حكم أئمة الزيدية عليهم السلام موثقةً ومشهورة عنهم تثبت أن الزيدية هي الحق علمًا وعملًا ونظريةً وتطبيقًا.
نموذج من ورع العترة عن تحمل أعباء الخلافة
قال مصنف سيرته: وكان مولانا - يعني الإمام المهدي - أصغرهم سنًا، كما بقل الشعر في وجهه - قلت: المروي أنه كان في ثمانية عشر عامًا - فأجاب السيد الأفضل الأورع، علي بن أبي الفضائل - وكان أكبرهم سنًا: أما أنا فمبتلى بالشك في الطهارة والصلاة، كما ترون.إلى قوله: ومن كان على هذه الصفة لا يصلح لهذا الأمر؛ لاحتياجه إلى النظر في أمر الأمة، وافتقاد الأمور، وهذا عذر واضح.
وقال السيد الناصر: هذا أمر، المقصود به رضوان الله، والقيام بالأحكام، كما يقتضيه الكتاب والسنة، أصولًا وفروعًا؛ وذلك لا يتأتى إلا ممن قد اشتغل بعلوم الاجتهاد.
إلى قوله: وعندي أني قاصر عن هذه المرتبة.
ثم انتظروا ما يجيب به مولانا؛ فأجاب: بأني صغير السن، كما ترون، وهذا أمر لا يصلح إلا ممن قد جرب الأمور، وساس الجمهور، وخاض في تدبير الدنيا وعلاجها، ورد حينًا ورد عليه، فرجع إلى غيره ورجع إليه؛ وأنا لم يمض علي من السن ما يتسع لذلك. ن قال: فلست أصلح لذلك في هذه الحال.
فلم يقبلوا منه، وأجابوا عليه: بأنك ما تحتاج إليه من هذه الأمور، فنحن عندك.
إلى قولهم: ونحن لا نفارقك - إن شاء الله تعالى - في شدة ولا رخاء.
قلت: انظر إلى كلام الهداة السابقين، القاصدين لرضاء الله ومطابقة أمره، وتقديم حقه، وطلب الدار الآخرة، والإعراض عن الأغراض والهوى، والتجافي عن زخرف الحياة الدنيا ومتاع الغرور، وتأثير الملك الخطير الباقي، على الملك الحقير الفاني، في هذا المقام، الذي صرعت عنده العقول، واستلبت فيه النفوس؛ فهذا منهاج أئمة الدين، وخلفاء سيد المرسلين، لا يقوم القائم منهم إلا لتحتم الفرض، وتضيق الأمر، وتعين الحجة، عند ألا يجد له مندوحة، ولاعنه معذرة؛ {تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ 83} [القصص].
نعم، وحكى صاحب السيرة: أن السيد الإمام علي بن أبي الفضائل قال للإمام عليه السلام: إن أردت مني خدمة فرسك، أو سياسة جملك، لم تأنف نفسي عن القيام بذلك، طاعة لله، ولمن أوجب طاعته.
إلى آخر محاوراتهم، أعاد الله من بركاتهم.
قال: فلما أجمع رأيهم على إقامته، وحصلت منه الإجابة، بايعه السيدان المذكوران، ثم العلماء.
إلى قوله: فلما علم الوزراء باتفاق الفضلاء، أزمعوا إلى تعجيل البيعة لولد الإمام.
قلت: وهذا يدل على تقدم بيعة الإمام، وكلام السيد الإمام يدل على خلافه؛ وقد جمع صاحب مآثر الأبرار، أنهما لما وقعتا في يوم وليلة، تسومح في حكاية الترتيب.
[لوامع الأنوار في جوامع العلوم والآثار للإمام المجدد للدين مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي عليه السلام]
نموذج من زهدهم عليهم السلام
روى الإمام المنصور[بالله عليه السلام] : أن المأمون توصل بمن قدر عليه في أن يصافيه، ويأمن جانبه فأبى ذلك أشد الإباء، وأمر إليه بوقر سبعة أبغل دنانير على أن يأخذها، ويجيب عن كتابه، أو يبتديه بكتاب، فكره ذلك ورد المال، وقد كان انحاز إلى حي من بادية المدينة يقال لهم: حرب، فحاربوا دونه، ولما رد المال لامته زوجته فقال:تقول التي أنا ردء لها
وقاء الحوادث دون الردى
ألست ترى المال منهلة
محارم أمواهه باللهى
فقلت لها وهي لوامة
وفي عيشها لو صحت ما كفى
كفاف امرئ قانع قوته
ومن يرض بالعيش نال الغنى
فإني وما رمت من نيله
وقبلك حب الغنى ما ازدهى
كذي الداء هاجت به شهوة
فخاف عواقبها فاحتمى
[مآثر الأبرار في تفصيلات الأخبار المتضمنة لسير آل النبي الأطهار، الزحيف، ٣٤١/١]
نموذج من سيرة أئمة العترة اليومية في رعيتهم
روى السيد أبو طالب بإسناده عن أبي الحسين الهمداني وكان رجلًا فقيهًا على مذهب الشافعي، يجمع بين الفقه والتجارة، قال: قصدت اليمن وحملت ما أتجر فيه هناك ابتغاءً لرؤية الهادي عليه السلام لما كان يتصل بي من أخباره، فلما وصلت صعدة قلت لمن لقيت من أهلها: كيف أصل إليه؟ وبم أصل؟ وبمن أتوسل؟ فقيل لي: الأمر أهون مما تقدر، ستراه الساعة إذا دخل الجامع للصلاة بالناس، فإنه يصلي بهم الصلوات كلها، فانتظرته حتى خرج للصلاة فصلى بالناس وصليت خلفه.فلما فرغ من صلاته تأملته فإذا هو قد مشى في المسجد نحو قوم أعلاء في ناحية منه فعادهم، وتفقد أحوالهم بنفسه، ثم مشى في السوق وأنا أتبعه فغير شيئًا أنكره، ووعظ قومًا وزجرهم عن بعض المناكير، ثم عاد إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه من داره للناس، فتقدمت إليه فسلمت فرحب بي، وأجلسني وسألني عن حالي ومقدمي؟ فعرفته أني تاجر، وأني وردت هذا المكان تبركًا بالنظر إليه، وعرف أني من أهل العلم فأنس بي.
وكان يكرمني إذا دخلت إليه إلى أن قيل لي [في] يوم من الأيام هذا يوم الظلامات وإنه يقعد فيه للنظر بين الناس فحضرت فشاهدت هيبة عظيمة ورأيت الأمراء والقواد والرحالة وقوفًا بين يديه على مراتبهم، وهو ينظر في القصص ويسمع الظلامات، ويفصل الأمور فكأني شاهدت رجلًا غير من كنت شاهدته، وبهرتني هيبته، فادعى رجل على رجل حقًا فأنكره المدعى عليه وسأله البينة، فأتى بها فحلف الشهود؛ فعجبت من ذلك.
فلما تفرق الناس دنوت منه، وقلت له: أيها الإمام، رأيتك حلفت الشهود. فقال : هذا رأي آبائي تحليف الشهود احتياطًا عند التهمة، وما تنكر من هذا، وهو قول طاووس من التابعين، وقد قال الله تعالى: {﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾}[المائدة:107].
قال: فاستفدت في تلك الحال منه مذهبه، وقول من قال به من التابعين والدليل عليه، وما كنت قد عرفت شيئًا من ذلك.
قال: وأنفذ إلي يومًا من الأيام يقول: إن كان في مالك حق زكاة فأخرجه إلينا، فقلت: سمعًا وطاعة من لي بأن أخرج زكاتي إليه.
فلما كان بعد يومين بعث إلي واستدعاني، وإذا هو يوم العطاء قد جلس [له] والمال يوزن ويخرج إلى الناس، فقال : أحضرتك لتشهد إخراج زكاتك إلى المستحقين.
فقمت وقلت: الله الله أيها الإمام أتظنني أرتاب بشيء من فعلك؟ فتبسم وقال: ما ذهبت إلى ما ظننت، ولكن أردت أن تشهد إخراج زكاتك.
قال: وقلت له يومًا من الأيام: أول ما رأيتك وأنت تطوف على المرضى في المسجد تعودهم، وتمشي في السوق، فقال: هكذا كان آبائي، كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، وأنت إنما عهدت الجبابرة والظلمة.
قالوا: وكانت هذه عادته حتى طمع فيه الفسقة فتبايعوا على غيلته فرموه من الصومعة [بسهم] فدخل المسجد وأخطأه السهم.
فلما صلى بالناس واستقرأ خبرهم فخرجوا فلقطوا النبل من باب المسجد. فقال: اللهم، إني أملت أن أسير فيهم سيرة الاختلاط، وأن أتولى أمرهم بنفسي ولا أكلهم إلى غيري، فبدأوا بالمكيدة في فإني ضارب الحجاب، ومتحرز حتى يحكم الله بيننا.
روى مصنف سيرته عن من سمعه يقول: والله الذي لا إله إلا هو ما أكلت مما جبيت من اليمن شيئًا، ولا شربت منه الماء، وروى عن من سمعه يقول : إلا من شيء جئت به من الحجاز وهذا ورع شحيح؛ لأنه تعفف عن الحلال إذ كان يحوز له أن يتناول من الجزية وأخماس الغنائم.
قال مصنف سيرته: رأيته ليلة وقد جاء رجل ضعيف في السحر يستعدي على قوم فدق الباب، فقال: من هذا يدق الباب في هذا الوقت؟
فقال له رجل كان على الباب: هذا رجل يستعدي، فقال: أدخله. فاستعدى فوجه معه في ذلك الوقت ثلاثة رجال يحضرون معه خصومه، فقال لي: يا أبا جعفر؛ الحمد الله الذي خصنا بنعمته وجعلنا رحمة على خلقه، هذا رجل يستعدي إلينا في هذا الوقت لو كان واحدًا من هؤلاء الظلمة ما دنا إلى بابه في هذا الوقت مشتك ثم قال: ليس الإمام منا من احتجب عن الضعيف في وقت حاجة ماسة.
[مآثر الأبرار في تفصيلات الأخبار المتضمنة لسير آل النبي الأطهار، الزحيف، ٢/٢]
وروى السيد أبو طالب بإسناده، عن علي بن العباس أنه قال: كنا عنده يومًا وقد حمى النهار وتعالى وهو يخفق رأسه فقمنا، فقال: أدخل وأغفو غفوة، وخرجت لحاجتي، وانصرفت سريعًا إلى المجلس الذي يجلس فيه الناس، فإذا أنا به في ذلك الموضع، فقلت له: في ذلك، فقال: لم أجسر أن أنام ولعل بالباب مظلومًا فيؤاخذني الله بحقه.
[مآثر الأبرار في تفصيلات الأخبار المتضمنة لسير آل النبي الأطهار، الزحيف، ٣/٢]
ومن شعره عليه السلام [قوله]:
فما العز إلا الصبر في حومة الوغى
إذا برقت فيه السيوف اللوامع
هل الملك إلا الأمر والعز والغنى
وأفضلكم من هذبته الطبائع
ومن لم يزل يحمي وينقم ثأره
ومن هو في الحالات يقظان هاجع
يقلب بطن الرأي فيه لظهره
ويمضـي إذا ما أمكنته المقاطع
ومنها:
ونحن بقايا المرهفات وسورها
إذا كان يوما ثائر النقع ساطع
يموت الفتى منا بكل مهند
واسمر مسنون الشبا وهو دارع
فتلك منايانا وإنا لمعشـر
من الناس في الدنيا البدور الطوالع
أبونا أمير المؤمنين وجدنا الر
سول الذي منه تتم الصنائع
نهضت ولم أعجز وقلت مواعظا
ذخائر علم إن وعاهن سامع
فكم قائل في نفسه وضميره
أيا قائلًا في ذا كلامك ضائع
فكيف غناء الكف عند اجتهادها
إذا لم تعنها بالفعال الأصابع
ومنها :
نعشت كتاب الله بعد هلاكه
فليس بغير الحق يزمع زامع
ومنها :
وإني لأحمي أن أبيت بغبطة
بطينًا وجاري مقتر وهو جائع
فلا تسـرعوا بالظن في بأنني
ذخرت كنوزا والظنون تسارع
فلست إذا أعطيت أبقي بقية
ولست إلى ما لا يحل أطالع
تظنون أن المال عندي مراكم
وأني به عنكم ضنينا ممانع
فلست بني عمي أخا تلك فاعلموا
وليس عن الأموال مثلي يدافع
لقد عشت فيكم أعصرا بعد أعصر
بذولًا لمالي إن حوى المال جامع
فلو أن أرض الله طرا بأسرها
وأمثالها أضحت حوتها الأشاجع
لجدت بها والله حلفة صادق
لبعضكم صدري لذلك واسع
بني العم إني في بلاد ضريرة
قليل وداها شرها متتابع
وليس بها مال يقوم ببعضها
وساكنها عريان غرثان جائع
سلوا الناس عنها تعلموا ما جهلتم
بأخبارها خير الرجال المطالع
مآثر الأبرار في تفصيلات الأخبار المتضمنة لسير آل النبي الأطهار، الزحيف، ١١/٢
نموذج من اهتمام أئمة العترة بإقامة معالم الدين
ﻭﻫﺬﻩ اﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﺃﺭﺳﻠﻬﺎ الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم عليه السلام إلى اﻟﺒﻼﺩ ﺗﺘﻀﻤﻦ اﻟﺤﺚ على اﻟﺼﻼﺓ، ﺳﻴﻤﺎ إلى اﻟﺠﻬﺔ التي ﺑﻠﻐﻪ ﻋﻨﻬﺎ اﻟﺘﺴﺎﻫﻞ ﺑﻬﺎ ﻭاﻟﺤﺠﺎﺏ ﻣﻦ اﻟﻨﺴﺎء.ﺑﺴﻢ الله اﻟﺮﺣﻤﻦ اﻟﺮﺣﻴﻢ، اﻟﺤﻤﺪ لله ﻭﺳﻼﻡ على ﻋﺒﺎﺩﻩ اﻟﺬﻳﻦ اﺻﻄﻔﻰ، ﻭﻛﺘﺎﺑﻨﺎ ﻫﺬا ﻣﻌﺬﺭﺓ إلى الله ﻭﺑﻼﻍ إلى ﺟﻤﻴﻊ اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ اﻟﻤﻜﻠﻔﻴﻦ ﻣﻦ اﻟﺮﺟﺎﻝ ﻭاﻟﻨﺴﺎء ﺳﻼﻡ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻜﻢ....إلى أن قال: ﻭﻧﺄﻣﺮﻛﻢ ﺑﺈﻗﺎﻣﺔ ﻫﺬﻩ اﻟﺼﻠﻮاﺕ اﻟﺨﻤﺲ، ﻭﺗﻌﻠﻢ ﻣﺎ ﺗﺠﺐ ﺑﻪ اﻟﻄﻬﺎﺭﺓ، ﻭاﻷﻭﻗﺎﺕ ﻭاﻟﻘﺒﻠﺔ ﻭاﻷﺫﻛﺎﺭ ﻭاﻟﻘﺮاءﺓ ﻭاﻟﺮﻛﻮﻉ ﻭاﻟﺴﺠﻮﺩ، ﻭﺃﻥ ﻻ ﺗﺘﻬﺎﻭﻧﻮا ﺑﻬﺎ ﻭﻻ ﺗﻀﻴﻌﻮﻫﺎ، ﻓﺈﻥ الله ﻋﺰ ﻭﺟﻞ ﻟﻢ ﻳﺤﻘﻦ اﻟﺪﻣﺎء ﺇﻻ ﺑﻬﺎ، ﻭﻻ ﺃﻭﺟﺐ اﻹﺳﻼﻡ ﺇﻻ ﻷﻫﻠﻬﺎ ﻓﻘﺎﻝ ﻋﺰ ﻭﺟﻞ: {﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 5﴾}[التوبة].
إلى أن قال: ﻫﺬا ﻭﺑﻠﻐﻨﺎ ﺃﻥ اﻟﻨﺴﺎء ﻣﻊ ﻗﻄﻌﻬﻦ ﻟﻠﺼﻼﺓ ﻭﺗﻬﺎﻭﻧﻬﻦ ﺑﻬﺎ ﻻ ﻳﺤﺘﺠﺒﻦ ﻋﻦ اﻷﺟﺎﻧﺐ، ﻭﻻ ﺳﻴﻤﺎ اﺑﻦ اﻟﻌﻢ ﻭاﻟﺨﺎﻝ ﻭﺃﻗﺎﺭﺏ اﻟﺰﻭﺝ، ﻭﻻ ﻳﻨﻬﺎﻫﻦ اﻟﺮﺟﺎﻝ اﻟﻘﻮاﻣﻮﻥ ﻋﻠﻴﻬﻦ ﻭﺃﺯﻭاﺟﻬﻦ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ، ﻓﻜﺎﻧﻮا ﺷﺮﻛﺎء ﻟﻬﻦ ﻓﻲ اﻹﺛﻢ، والله ﻳﻘﻮﻝ: {﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ 30 وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾}[الأحزاب]، إلى ﺁﺧﺮ اﻵﻳﺔ اﻟﻜﺮﻳﻤﺔ، ﻭﻓﻴﻬﺎ {﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾}[الأحزاب].
ﻭﻗﺎﻝ ﻋﺰ ﻭﺟﻞ ﻣﺆﺩﺑًﺎ ﻷﺻﺤﺎﺏ ﻧﺒﻴﻪ: {﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾}[الأحزاب]، ﻣﻊ ﺟﻼﻟﺔ ﻗﺪﺭ ﺃﺻﺤﺎﺑﻪ، ﻭﺟﻼﻟﺔ ﻗﺪﺭ ﺃﺯﻭاﺟﻪ. ﻓﺎﺗﻘﻮا الله ﻭﺗﻘﺮﺑﻮا ﺇﻟﻴﻪ ﺗﻨﺎﻟﻮا ﺇﻥ ﺷﺎء الله ﺧﻴﺮ اﻟﺪاﺭﻳﻦ، والله ﺣﺴﺒﻨﺎ ﻭﻧﻌﻢ اﻟﻮﻛﻴﻞ.
نموذج من حرص أئمة العترة على ترسيخ الحق ولو انفض عنهم الناس
أخبرني الشيخ الرئيس صلاح بن ناصر بن مفضل المعمري ثم الحيمي أنه وصل من الحيمة إلى الإمام عليه السلام بعد خروجه من برط إلى وادعة في الخرجة الأخرى هذه، قال: فكنت عنده بعد التئام وادعة له عليه السلام فدخل عليه كبارهم وقالوا: لنا منك خبر لا يطلع عليه غيرك فقام أهل حضرته الشريفة وقمت معهم فقال الإمام عليه السلام: أما أنت يا شيخ فغير مقصود بالقيام لأنك من جهات بعيدة فبقيت عنده فتكلم متكلمهم وقال: يا مولانا هذه ساعة جهاد والعدو مقبل علينا وثم شرائع وتنازع ودعاوي بين قوم ضعفاء قد رهنوا أموالهم من الكبراء والأغنياء، وقد ظهر من مذهبك إبطال بيع الرجاء وعلل الرهان فلو أخرجت هذه المسألة حتى ينفصل العدو ويظهرك الله عليه لئلا يحصل سبب ذلك تخذيل وفتنة بين الناس أو كما قالوا.قال الشيخ المذكور: فرأيته عليه السلام وقد تقطب وجهه بالغضب ثم قال: أتقولون لي ذلك وأخون الله في بلاده وعباده، وماذا المقصود من الجهاد غير إنفاذ أحكام الله، ثم أقسم بالله لو تحملون على الترك بتاء الخطاب الحاضر في حجزكم لا فعلت ثم قال: وكيف نرجوا نصرته ونحن لا ننصر أحكامه أو كمال قال، ثم طلب السيد العلامة عز الدين محمد بن علي بن عشيش وكان إليه القضاء قال أنفذ الأحكام على القوي والضعيف ولو كان ما كان، وتفرق المشائخ وقد استحوا كثيراً، ثم أقبل العجم وكان ما تقدم من الانتصار عليهم، ولما سمع هذه الرواية الشيخ جمال الدين علي بن أحمد بن جابر السيراني ثم الأهنومي، قال: وقد كان من مشائخ الأهنوم والله مثلها، وكان الجواب كذلك✍️، والله أعلم حيث يجعل رسالاته.
وكان الإمام المنصور [بالله] [عليه السلام] قبل قيامه محبًا لأن يلي الخلافة أحدهما، ويكون هو له من أكبر الأعوان، فمن قوله في الأمير شمس الدين:
أصدق ما قال به القائل
ما أحوج السيف إلى الحامل
يا ابن علي بن أبي طالب
قم فانصـر الحق على الباطل
ولا تشكك في اتباع الهدى
ولا تصخ إن عذل العاذل
وادع فعندي أنها دعوة
كاملة في رجل كامل
فأنت لا أنطقها كاذبًا
عالم أهل البيت والعامل
ولكنهما كانا زاهدين فيها فهما لا يريدان إلا ما فيه الخير والصلاح لهذه الأمة، وقد رأيا في الإمام المنصور عليه السلام بغيتهما فسعيا في بيعته وسارا في الناس ينشران فضائله حتى تم لهما ما أرادا وحصلت البيعة الجامعة للإمام في الجامع المقدس بصعدة بعد أن امتحنه العلماء بمعضلات المسائل وسبروا كماله وتحققوا أهليته لهذا المنصب الشريف فبايعوه راضيين مختارين، فهذا نموذج لآلية اختيار الإمام عند العترة الزكية لا تؤول إلا إلى التمام وانتظام الأمور إذا خلصت النوايا وطلب كل الحق وآثره على هواه.
[مآثر الأبرار، الزحيف، ١٦٦/٢]
تعظيم الإمام المنصور [بالله] عليه السلام للأميرين
ومما يدل على تعظيم الإمام المنصور [بالله] عليه السلام للأميرين المذكورين [من] إنصافه لهما في جواب عليهما؛ لأنه كان له أمير متوليًا على صعدة وهو الأمير سليمان بن موسى الحمزي، فاتفق في أيام ولايته أن أخرب قهرة مزيد، وهو رجل من بني مالك، له تعلق بالأميرين المذكورين، فبلغهما ما اتفق فكتبا إلى المنصور يذكران له ذلك، ويستنكران إثقاله للمغارم على الرعية، وعمله بخلاف السنة النبوية، وأنه فعل أفعالًا لم تفعل في دولة سيف الإسلام، وأنه [قد] أقدم على نقض الذمة في أمر مزيد، ويربوع وخراب القهرة).
هذا مضمون كلامهم في الكتاب، فلما وصل إلى الإمام المنصور [بالله عليه السلام] أجاب عليهما، فكان من جملة كلامه: وما ذكراه أدام الله عزهما من التغريم بخلاف السنة النبوية، فلو اعتقدناه خلاف السنة ما أقررنا سليمان عليه، ولا حابيناه في حق الله تعالى، لو كان يملك لنا الأرض، ولكن عندنا أن التغريم للجنود المحقة جائز، وأنتما الشاهدان [المحقان] الصادقان لنا على أهل الحقل بأنا كتبنا إليهم، وإلى أهل صعدة أن يرجعوا، ولا يخالطوا الظالمين، فخالفوا الأمر، وكانوا يدًا ورجلًا لأعداء الله، وأما الذمة لمزيد ويربوع، فلم يقع في ذمة كبار المسلمين وأمرائهم، فكيف وأنتم في الدين قدوة، ودعاة رسل، وأئمة هدى! وأما أنه لم يفعل هذا في دولة سيف الإسلام -لعنه الله- فإن كان المراد أنه أكثر، فلا يمنع أن يدفع المحق أكثر مما يدفع المبطل، والحديث هل يجوز التغريم أم لا يجوز؟ فأما الفعل في قهرة يربوع، وقهرة مزيد، فما أوجبه شرع النبي بحكمكم، أو حكم من نتصوبه على سليمان بن موسى لم يقدر على الامتناع منه في روحه، ولا في عسكره لو كان في ألف فارس لم يمتنع منكم من صاحب العصا، ووجه الحق وقاح لا يستحي من أحد، ولو وجب عليكم حق تحملته دينًا ومنعًا، ولو تعبنا فيه، وتلفت نفوسنا نريد بذلك رضاكم لله تعالى، ولكن لا تعجلوا حتى تتبينوا، انتهى مختصرا.
[مآثر الأبرار، الزحيف، ١٧١/٢]
نموذج من معاناة أهل البيت عليهم السلام في سبيل الحق
فروى أحمد بن عيسى بن زيد عليهم السلام قال: طلبنا هارون أنا والقاسم بن إبراهيم، وعبدالله بن موسى، فتفرقنا في البلاد فوقعت إلى ناحية الري، ووقع عبدالله بن موسى إلى الشام، وخرج القاسم إلى اليمن.فلما توفي هارون اجتمعنا في الموسم، فتشاكينا ما مر بنا فقال القاسم عليه السلام: أشد ما مر علي أني لما خرجت من مكة أريد اليمن في مفازة لا ماء فيها، ومعي بنت عمي زوجتي وبها حبل، فجاءها المخاض في ذلك الوقت، فحفرت لها حفرة لتتولى أمر نفسها وضربت في الأرض أطلب الماء لها، فرجعت إليها وقد ولدت غلامًا، فأجهدها العطش، فرجعت[إليها] وقد ماتت، والولد حي، فكان بقاء الولد أشد علي من وفاة أمه، فصليت ركعتين، ودعوت الله أن يقبضه، فما فرغت من دعائي حتى مات.
وشكى عبدالله بن موسى أنه خرج من بعض قرى الشام، وقد اشتد عليه الطلب، وأنه صار إلى بعض المشائخ وقد تزيا بزي الفلاحين فسخره بعض الجند وحمل على ظهره شيئًا، فكان إذا أعيا ووضع ما على ظهره للاستراحة ضربه ضربًا شديدًا، وقال: لعنك الله، ولعن من أنت منه.
[مآثر الأبرار في تفصيلات الأخبار ، الزحيف، ٣٤٣/١].