أصول الزيدية التي بنيت عليها ديانتهم

حجم الخط:

الأدلة

1- دليل العقل.

2- دليل القرآن.

3- دليل السنة المجمع على صحته بين طوائف المسلمين.

4- دليل الإجماع.

فعلى هذه الأصول بنيت ديانة الزيدية، وكل ديانة فكرية جاءت عن غير هذه الأصول فإن الزيدية لا تلتفت إليها ولا تعوِّل عليها.
ولنبدأ في تفسير هذه الأصول الأربعة؛ فنقول وبالله التوفيق✍️:

دليل العقل

دليل العقل عند الزيدية:

دليل العقل: هو أول الأدلة عند الزيدية وأقواها، ولنتكلم هنا على شيئين اثنين:
1- توضيح الدليل على صحة دعواهم أن العقل حجة قاطعة في الدين.
2- توضيح أن دليل العقل هو أقوى الأدلة.
فنقول: الدليل على ما ادعينا من أن العقل حجة قاطعة في الدين- هو دليل ضروري وجداني لولا تلوث الكثير من فطر العقول بالمذاهب الخرافية التقليدية الموروثة التي يتلقاها الخلف عن السلف، وينشأ عليها الصغير ويهرم الكبير.
فإن قال القائل: إن الأحكام الضرورية لا تزول بالتشكيك والتلبيس، فإن العاقل لا يقبل ولا يصدق من يروِّج له بأن الليل نهار أو العكس؛ لذلك فإن حكم العقل لو كان ضرورياً كما تقولون لم يقع فيه اختلاف بين طوائف المسلمين.
قلنا في الجواب: ليس الأمر كما ذكرتم، ألا ترى أن مشركي العرب بما فيهم قريش مع ما هم عليه من زكاء الفطرة، وتوقد الذكاء- كانوا يعبدون الحجارة ويحلفون بها، ويحاربون دونها، ويخاطبونها، ثم مع ذلك ربما رموها واستبدلوا بها غيرها..إلى آخر مذاهبهم الخرافية التي تمجها الفطرة، ويأباها العقل بضرورته.

وهناك جواب آخر: هو أن الوهم قد يسيطر فيضعف لسيطرته حكم العقل الضروري، وهذا أمر وجداني، ألا ترى أن الرجل قد يكون في مكان خال أو في غرفة من بيته نهاراً فإذا جاء الظلام صور له الوهم والخيال أشباحاً وأهوالاً يقشعر منها جلده، ومع هذا فإن العقل يحكم في هذه الحال بخلو المكان عن تلك الأشباح المخيفة، فلا يلتفت الخائف إلى حكمه، وذلك لسيطرة الوهم والخيال.
وهكذا قد تسيطر المذاهب الخرافية المتصادمة مع حكم الفطرة الضروري الجازم، فمن أجل ذلك كان ينبغي أن لا يحتاج إلى نصب الأدلة في مثل ذلك، بل كان يكفي المكلف أن يرجع إلى نفسه ووجدانه في معرفة الخطأ والصواب هنا، غير أنه لا مانع من زيادة البيان فنقول:
إن الله سبحانه وتعالى ذم قوماً أهملوا النظر والتفكير بعقولهم فقال جل شأنه:{﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ179﴾ }[الأعراف]، فذمهم الله تعالى هنا حين أهملوا أدوات الفكر وآلاته التي سوف توصلهم حتماً إلى معرفة الحق وتمييزه عن الباطل.
وآلات الفكر المذكورة هنا هي: بصر العين وسمع الأذن وتفكير القلب، والمراد ببصر العين هو بصر الاعتبار لا البصر المجرد عنه، فإنهم قد كانوا بصراء، وكذلك المراد بالسمع، فعن طرق البصر والسمع يبصر القلب ويسمع ثم يستنتج ويحكم، وبهذا العمل الفكري يتميز الإنسان عن غيره من الحيوانات.
فإذا أهمل الإنسان هذه الوظيفة فإنه عند الله تعالى وفي حكمه كالأنعام، بل أضل منها كما سمعت في الآية السابقة.
وقال سبحانه وتعالى:{﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ78﴾ } [النحل]، ففي هذه الآية يعين الله تعالى الغاية التي من أجلها جعل للإنسان السمع والبصر والفؤاد، وهذه الغاية هي الشكر لله، والشكر لله يتمثل في الإيمان، ثم العمل الصالح.
وقال سبحانه وتعالى: {﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ190﴾} [آل عمران]، وأولو الألباب هم أولو العقول، فمن أهمل التفكير في آيات الله فهو في حكم الله من أشباه الأنعام بل أضل.
هذا، وقد أمر الله بالتفكر والنظر في آيات الله المبثوثة في الآفاق ليتوصلوا بذلك إلى الإيمان بالله والتصديق برسوله وكتابه، فقال جل شأنه: {﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ }[يونس:101]، وكم في القرآن من أمثال هذه الآية.
وقال تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ }[الأعراف:157]، فيؤخذ من هذه الآية وما أشبهها في القرآن أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إنما يأمرهم بما تعرفه عقولهم وتأنس به، وتنجذب إليه، وأنه ينهاهم عما تنكره عقولهم، وتستوحش منه، وتنفر عنه، ولا تأنس به.
وكذلك فإنه يحل لهم ما تستطيبه أنفسهم وتنجذب إليه وتستحسنه، ويحرم عليهم ما تستخبثه أنفسهم، وتأباه عقولهم وتستقبحه.
والدليل على صحة ما ذكرنا من التفسير: هو ما تقرر في الإسلام أنه لا عبرة بميل الهوى والشهوة، ولا استحسانهما أو استقباحهما، ومن هنا يقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ...﴾ الآية [الجاثية:23]، ويقول سبحانه:{﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى40 فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى41﴾} [النازعات]، لهذا فيكون المراد هو ما يعرفه العقل وما ينكره وما يستطيبه ويستخبثه.

توضيح أن العقل أقوى الأدلة

توضيح ذلك أن العقل هو الطريق الوحيد إلى تصديق النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء به عن الله سبحانه وتعالى من الكتاب والسنة.
وذلك أن الكفار الذين جاءهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانوا غير مؤمنين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا بالكتاب ولا بالسنة وغير مقتنعين بذلك، فجاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من أجل ذلك بحجة أخرى هي المعجزة وهي دليل عقلي.
ومن هنا قال قائل المشركين عندما سمعوا آيات القرآن: إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه يعلو ولا يعلى عليه، والله ما هو بكلام البشر. أو كما قال.
وهكذا سائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فجاء موسى عليه السلام بالعصا و...إلخ، وعيسى عليه السلام بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وجاء صالح عليه السلام بالناقة، و...إلخ.
فعن طريق المعجزة بواسطة النظر فيها يتوصل المكلف إلى الإيمان والتصديق بالأنبياء والرسل، وبما جاءوا به من عند الله.
لذلك قلنا: إن العقل أقوى الأدلة حيث كان هو الطريق إلى الإيمان بالله وبرسله وكتبه.


[من ثمار العلم والحكمة للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]



دليل القرآن

دليل القرآن عند الزيدية

القرآن هو أول الأدلة الشرعية وأقواها، ودليل العقل هو أول الأدلة على الإطلاق كما تقدم، والسنة هي في المنزلة الثانية بعد القرآن، ولا خلاف في الجملة بين المسلمين في هذا الترتيب بين الكتاب والسنة.
ولا شك أن القرآن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
وأنه قد اشتمل على قسمين: محكم، ومتشابه، وتماماً كما قال سبحانه: {﴿مِنْهُ ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ...﴾ }الآية [آل عمران:7]، واشتمل كذلك على عام وخاص، ومجمل ومبين، وناسخ ومنسوخ، ومطلق ومقيد، ومفهوم ومنطوق، و..إلخ.
وأنه نزل بلغة العرب: {﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾} [الزمر:28]، {﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ195﴾ }[الشعراء].

من أجل ذلك فإن الزيدية لم تأخذ دينها من القرآن إلا بعد إعداد العدة:

1- من معرفة اللغة العربية معرفة مستحكمة، ويتمثل ذلك في علم النحو وعلم التصريف وعلوم البلاغة ومفردات اللغة.

2- معرفة قواعد أصول الفقه.

3- استصحاب دلالة العقل.

لهذا سلمت ديانة الزيدية من العقائد الخرافية، وسلمت من التناقض والاختلاف كما في بعض المذاهب الإسلامية، وميزت المحكم من المتشابه، فردت المتشابه إلى المحكم وبنت العام على الخاص والمطلق على المقيد، و..إلخ.

بيان معنى المحكم والمتشابه

المحكم:
المحكم في لغة العرب هو المتقن، والإحكام هو الإتقان، والإحكام إما في اللفظ أو في المعنى، ولا شك أن المراد هنا هو الإحكام في المعنى دون اللفظ؛ إذ لو كان المراد الإحكام في اللفظ لما صحت القسمة المذكورة في الآية حيث قسم إلى محكم ومتشابه.
وأيضاً فإن ألفاظ القرآن كلها محكمة بما فيها المتشابه المذكور في آية آل عمران قال الله تعالى:{﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءَايَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ1﴾ } [هود]،{﴿يس1 وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ2﴾} [يس]، وغير ذلك كثير.
ومعنى إحكام المعنى هو وضوحه في دلالته بحيث لا يلتبس ولا يشتبه على العارف بلغة العرب، لهذا سمى الله تعالى الآيات المحكمات أم الكتاب.
وفائدة هذه التسمية وفحوى معناها: أن الواجب على المكلف هو أن يرد ما التبس عليه تفسيره واشتبه إلى المحكم، فيفسر المتشابه بالتفسير الذي يتطابق مع المحكم.

جاء الكلام العربي المركب على ثلاثة أساليب مختلفة هي:

1- الأسلوب الحقيقي.
2- أسلوب الكناية.
3- أسلوب المجاز.
وهذه الأساليب يعرفها علماء اللغة العربية، ومن هنا فلا يجوز أن يفسر القرآن إلا من عرف تلك الأساليب المختلفة مع استصحاب ما ذكرنا أولاً.
المتشابه:
المقصود بالمتشابه هو المتشابه في معناه كما قدمنا في المحكم.
والمتشابه في المعنى: هو أن يكون للفظ معنيان أو أكثر متشابهة، بمعنى: أن اللفظ المتشابه يطلق في لغة العرب على معنيين أو أكثر وذلك كلفظة «عين» فإنها تطلق ويراد بها عين الإنسان التي يبصر بها، وتطلق أيضاً ويراد بها عين الماء الخارجة من الأرض.
والدليل على ما ذكرنا من التفسير: أن لفظة «متشابه» في الآية اسم فاعل مشتق من التشابه، والتشابه لا يكون إلا بين اثنين فما فوق؛ فإذا كان للفظ القرآني عدة معانٍ مختلفة سمي متشابهاً؛ لأن اللفظ يصح إطلاقه على كل واحد منها فهي متشابهة في صحة هذا الإطلاق.
ولا يصح تفسير المتشابه بغير ما ذكرنا، وذلك لأن ما ذكرنا من التفسير متوافق مع الواقع فإن اختلاف الأمة وزيغ كثير من طوائفها مستند إلى التفسير لكثير من الآيات بأحد المعاني المحتملة في كل آية.
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾} [المدثر:31]، فأهل الجبر يقولون في تفسير ذلك: إن الله سبحانه وتعالى يدخل من يشاء في الضلال، ويدخل من يشاء في الهدى، وجعلوا هذه الآية وما أشبهها دليلاً على ما يذهبون إليه من أن العبد لا مشيئة له ولا اختيار فيما يفعل من المعاصي والطاعات، وأن الله تعالى هو الذي يخلق العصيان أو الطاعة في العبد.
ثم فسر الآية آخرون بغير ما تقدم فقالوا: إن المراد في الآية المذكورة هو الحكم والتسمية بمعنى أن الله تعالى يحكم على من يشاء بالضلال ويسميه به، ويحكم على من يشاء بالهدى ويسميه به، واستدلوا على ذلك التفسير وصحته بأن العرب في لغتها تقول: أضلني فلان، وكفَّرني وفسَّقني تريد: أنه نسبني إلى الضلال وسماني ضالاً، ومن ذلك قول الشاعر في علي عليه السلام:
ما زال يهدي قومه ويضلنا
جهلاً وينسبنا إلى الفجار

ويمكن الاستدلال على ذلك أيضاً بقوله تعالى: {﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾} [التوبة:115]، فإنه لا يستقيم تفسير الضلال هنا إلا على ما ذكرنا من الحكم والتسمية.
ومن أمثلة ذلك أيضاً قوله تعالى: {﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ23﴾} [القيامة]، ففسرها طائفة برؤية البصر، وفسرتها أخرى بالانتظار، واللفظة تطلق في لغة العرب على كل من المعنيين.
نعم، يزيد ما ذكرنا وضوحاً: أن غير ما ذكرنا من التفاسير لم يتسبب في زيغ طوائف الأمة ولم يكن له أي دور في ضلال بعض الطوائف الضالة فلم نسمع عن أي من أهل الزيغ والضلال أنه استند في ضلاله وزيغه إلى الحروف المقطعة في أوائل السور (الم، الر، طسم) ونحوها.
وكذلك من يقول إن المتشابه هو نحو عدد الزبانية وحملة العرش في قوله تعالى: {﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ30﴾} [المدثر]، و
{﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ17﴾ }[الحاقة]، فلم يؤثر عن أي من هذه الأمة استناده في ضلاله وزيغه إلى تفسير العدد في الآيتين، وهكذا سائر ما يذكر من تفسير المتشابه سوى ما ذكرنا، وقد روي هذا عن بعض الأئمة كزيد بن علي عليه السلام إلا أن الضلال المترتب على ذلك كان للمشركين أما المسلمون فلم يتسبب ذلك في ضلال المسلمين.

معرفة معنى المتشابه

يمكن معرفة المتشابه فيعلمه الراسخون في العلم.
والدليل على ذلك: أن جميع طوائف الأمة يفسرون في كتب تفاسيرهم كل آيات القرآن الكريم من دون استثناء، اللهم إلا فيما لا يتعلق بمعرفته تكليف كالحروف المقطعة.
ولم نر أحداً من المفسرين توقف عند آية وأعرض عن تفسيرها من أجل أنها من المتشابه، ومع ذلك فلم نجد أحداً من علماء الأمة استنكر ذلك الصنيع منذ بدء عصر التدوين والتفسير إلى يومنا هذا.
فإن قيل: قد قال الله تعالى:{ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ }[آل عمران:7]، وقد وقف السلف والخلف هنا، وعلى هذا فالجملة بعد ذلك مستأنفة، فثبت بذلك أنه لا يعلم المتشابه إلا الله وحده دون البشر.
قلنا: الوقف لا يدل على ما ذكرتم، فإنه يجوز الوقف على المعطوف عليه، وأمثلته في القرآن لا تحصى، وللوقف هنا مرجح وهو الأدب، وذلك أن في الوقف على الجلالة زيادة تعظيم لله وإجلال لا تحصل مع عدم الوقف.
هذا، مع أن الواو ظاهرة في العطف فلا يجوز العدول عن هذا الظاهر إلا بدليل، والوقف ليس بدليل.

[من ثمار العلم والحكمة للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]


دليل السنة المجمع على صحته بين طوائف المسلمين

السنة المجمع عليها

الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو مصدر من مصادر الأحكام الشرعية، وهو في الدرجة الثانية بعد القرآن الكريم، ولا خلاف في هذه الجملة.
ولا خلاف أيضاً في قبول الحديث الصحيح، والعمل بمقتضاه، وأنه حجة يلزم العمل بها، ووقع الاتفاق على قبول الأحاديث المتواترة، والأحاديث المتلقاة بالقبول بين الأمة.
ثم وقع الخلاف في تصحيح الأحاديث الآحادية؛ فلأهل السنة أحاديث صحاح، وللزيدية أحاديث صحاح، وللإمامية أحاديث صحاح، و .. إلخ.

فالحديث قد يكون صحيحاً عند أهل السنة، وغير صحيح عند الزيدية، أو عند الإمامية، وهكذا العكس، وقد يكون الحديث صحيحاً عند الإمامية، وضعيفاً عند الزيدية، و ... إلخ.
ولكل من تلك الطوائف أسس وقواعد يبنى عليها صحة الحديث أو ضعفه، فحصل الخلاف في الحديث الصحيح تبعاً للاختلاف في الأسس والقواعد، والحديث عند الجميع ليس حجة ولا دليلاً إلا إذا صح.
- وإذا اختلفت الطوائف في صحة الحديث فحكمت بصحته مثلاً طائفة أهل السنة، وحكمت الزيدية أو الإمامية بضعفه، فعلى أي القولين يعتمد الناظر؟
- يمكن أن يقال: لا يجوز أن يعتمد الناظر على أي واحد من القولين؛ لأن كل واحد من القولين دعوى تحتاج إلى برهان تطمئن إليه النفس.

الحديث الذي يجب قبوله

والحق أن الحديث الصحيح الذي يجب قبوله هو:
١ - الحديث الذي تجمع طوائف العلماء على صحته، فما كان كذلك فهو حديث صحيح؛ لقيام البرهان على صحته وهو الإجماع.
٢ - الحديث الذي يجمع على صحته علماء أهل البيت عليهم السلام؛ لقيام الدليل على حجية إجماعهم.
وقد اتفقت الطوائف على قبول خبر المؤمن العدل بشروط، إلا أنهم اختلفوا، فمنهم من يعدل الشخص ومنهم من يجرحه، فأهل السنة يجرحون الراوي إذا كان شيعياً، ويعدلون النواصب، والزيدية والإمامية بالعكس والمعلوم أن الحق لا يخرج من أيدي الأمة وأنها لا تجتمع على ضلالة، ولا خلاف في ذلك، وكل طائفة تقول إنها المحقة دون غيرها، والمفروض أن الدعوى لا تقبل إلا ببرهان يدل على صحتها، وإلا تركت.
- وحينئذ فما هو الحل؟ وما هي الطريق الموصلة إلى معرفة الحق؟

الحل والطريق

هو الأخذ أولاً بما أجمعت عليه طوائف الأمة من تفسير آية من كتاب الله تعالى أو من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما أجمعت عليه الطوائف من صحة تفسير آية أو من صحة حديث رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فليأخذ به الناظر، فإنه إذا فعل ذلك وأخذ به تفتحت له الأبواب الموصلة إلى معرفة الحق، وهذا هو ما عناه الله تعالى بقوله عز من قائل: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ... }[النساء: ٥٩]، فالرد إلى الله تعالى هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته المجمع على صحتها عند الجميع.
ولو أن المختلفين فعلوا ذلك لارتفع الخلاف، والله المستعان وإليه ترجع الأمور.

ولا يخفى أن الزيدية هي الطائفة الوحيدة التي تدعو إلى مثل هذا، وهو تحكيم الكتاب الكريم والسنة المجمع عليها.
- ولا يخفى أن حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد تلاعبت به الأهواء، ومر بظروف سياسية أخضعته لمصالحها، وتعرض لكيد المنافقين، ودسائس المفسدين، ولخطأ الرواة، وأوهامهم و .. إلخ، وحينئذ فلا بد من طريق إلى تمييز الحديث الصحيح من غيره.
وقد حاول أهل السنة والجماعة ذلك، فوضعوا الأسس والقواعد والموازين، وحققوا ودققوا، وبذلوا في هذا السبيل جهوداً عظيمة، إلا أن هذه المحاولة وذلك المجهود العظيم كان منحازاً لخدمة مذهب أهل السنة والجماعة الذي هو وليد سياسة معاوية.

اتفاق جميع المذاهب الإسلامية على القرآن

-القرآن الكريم هو كتاب الله تعالى:
وقد اختص القرآن من بين الكتب السماوية بالحفظ والسلامة من التغيير والتبديل والتحريف، و..إلخ إلى يوم القيامة.
-وجميع أهل المذاهب الإسلامية متفقون على ذلك لا يختلفون في صحة كلمة من كلماته أو في حرف من حروفه.
-ومتفقون أيضاً على أنه في المرتبة الأولى من حيث قوة الحجة والبرهان، وأن السنة في المرتبة الثانية.
-ومع هذا الاتفاق فقد كثر الاختلاف والتفرق في دين الإسلام وكثرت المذاهب، يكفر بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، ويستحل بعضهم دماء بعض.
-ومذهب أهل السنة والجماعة مذهب كبير يتميز بكثرة أتباعه وكثرة المنتصرين له من العلماء، وكثرة التصانيف والمؤلفات في جميع أنواع العلوم الإسلامية وكتب اللغة، ولهم توسع في التحقيق والتدقيق فيما هنالك.
-ومذهب الزيدية مذهب ساحته صغيرة، محصور في رقعة صغيرة في جنوب جزيرة العرب، ويتميز بقوة الأدلة والبراهين على صحة عقائده.
-ومذهب الشيعة الإمامية (الجعفرية) يأتي في الدرجة الثانية بعد أهل السنة والجماعة من حيث كثرة الأتباع.
-ومذهب الإباضية، ويتمركز في سلطنة عمان ويتميز بالتشدد في الولاية والعداوة.

[من ثمار العلم والحكمة للسيد العلامة الحجة/محمد بن عبدالله عوض المؤيدي حفظه الله]
فهرس المقالات
تابع القرائة

أصول الدين عند أهل البيت عليهم السلام الزيدية

(قســــم التوحيــــد) (( تعريـــف التوحيــــد)) التوحيد: هو العلم بما لله جل جلاله من الوحدانية،...

اقرأ المقالة

ما موقف أهل البيت عليهم السلام الزيدية من تفرق الأمة واخت...

(دور أهل البيت عليهم السلام في توضيح الحق) وأهل البيت عليهم السلام قد قاموا بدورهم في هذا المجال...

اقرأ المقالة

ختام المسار

هذه نبذة مختصرة عن أصول العقيدة الزيدية...